أخبار اليوم - تالا الفقيه - مع ارتفاع كلفة المعيشة وتزايد حاجة الأسر إلى مصدر دخل إضافي، تواجه الأمهات العاملات معادلة صعبة لا تتعلق فقط بفرص العمل أو مستوى الرواتب، وإنما بكلفة رعاية الأطفال التي أصبحت بندًا أساسيًا في ميزانية الأسرة.
فبعد انتهاء إجازة الأمومة والعودة إلى العمل، تجد كثير من الأمهات أنفسهن أمام خيار البحث عن حضانة مناسبة لأطفالهن، وهو خيار تترتب عليه كلفة شهرية قد تشكل عبئًا كبيرًا، خصوصًا بالنسبة للأسر التي تعتمد على راتب واحد أو تلك التي يكون دخلها محدودًا.
وتقول أمهات عاملات إن قرار الاستمرار في الوظيفة لا يرتبط دائمًا بقيمة الراتب وحدها، إذ يتعين عليهن احتساب كلفة الحضانة والمواصلات والمصاريف المرتبطة بالعمل، ما يجعل بعضهن يتساءلن عن الجدوى الاقتصادية من العودة إلى الوظيفة، خصوصًا عندما تقترب كلفة رعاية الطفل من جزء كبير من الدخل الشهري.
وتشير أمهات إلى أن المشكلة تصبح أكثر تعقيدًا بالنسبة لمن لديهن أكثر من طفل في سن الحضانة، إذ تتضاعف المصاريف في الوقت الذي تبقى فيه الرواتب ثابتة، ما يدفع بعض الأسر إلى الاعتماد على الأجداد أو الأقارب لتوفير الرعاية، بينما تضطر أمهات أخريات إلى تقليص ساعات العمل أو ترك الوظيفة.
ولا تقتصر المشكلة على الكلفة المالية، إذ تبحث الأم العاملة في الوقت ذاته عن حضانة توفر بيئة آمنة وصحية لطفلها، وتلتزم بالاشتراطات المطلوبة، وتتمتع بكادر مؤهل، ما يجعل السعر عنصرًا واحدًا ضمن مجموعة عوامل تحكم قرار اختيار الحضانة.
وفي المقابل، تواجه الحضانات نفسها ارتفاعًا في تكاليف التشغيل، من أجور العاملين والإيجارات إلى متطلبات السلامة والتجهيزات والخدمات، وهو ما ينعكس بدوره على الرسوم التي تدفعها الأسر.
ويرى مختصون أن قضية الحضانات ترتبط بصورة مباشرة بتمكين المرأة اقتصاديًا واستمرارها في سوق العمل، إذ إن ارتفاع كلفة الرعاية قد يشكل عائقًا أمام بعض الأمهات الراغبات في العودة إلى وظائفهن بعد الإنجاب.
وتبرز هنا الحاجة إلى النظر إلى خدمات رعاية الأطفال باعتبارها جزءًا من منظومة العمل، وليس مجرد خدمة إضافية تتحمل الأسرة كلفتها بمفردها، خصوصًا في ظل ارتفاع تكاليف الحياة وتزايد مشاركة النساء في سوق العمل.
كما يطرح الملف تساؤلات حول إمكانية توسيع خيارات الرعاية أمام الأسر، ودعم الحضانات المرخصة، وتشجيع المؤسسات وأصحاب العمل على توفير حضانات في أماكن العمل أو المساهمة في جزء من كلفة الرعاية، بما يساعد الأمهات على الحفاظ على وظائفهن.
وتؤكد أمهات أن القضية لا تتعلق بالرغبة في الحصول على امتيازات إضافية، بقدر ما تتعلق بإيجاد بيئة تساعد المرأة على الموازنة بين العمل والأسرة، دون أن يتحول وجود طفل إلى سبب مباشر لترك الوظيفة.
وفي ظل هذه التحديات، تبقى كلفة الحضانة واحدة من الملفات التي تحتاج إلى نقاش أوسع بين الجهات الحكومية وأصحاب العمل والأسر والحضانات، للوصول إلى حلول تحقق مصلحة الطفل أولًا، وتحافظ في الوقت ذاته على قدرة الأم على الاستمرار في العمل.
فالأم التي تخرج إلى عملها لا تبحث فقط عن راتب في نهاية الشهر، بل تحاول أن تحافظ على مصدر دخل أسرتها، وفي المقابل تريد أن تطمئن إلى أن طفلها يحظى بالرعاية الآمنة خلال ساعات عملها.
وبين راتب الأم وكلفة الحضانة، تقف آلاف الأسر أمام معادلة تحتاج إلى حلول عملية، لأن دعم المرأة العاملة لا يبدأ من مكان العمل وينتهي عنده، بل يبدأ أيضًا من توفير رعاية أطفال آمنة وميسورة التكلفة.