المزارع الأردني على حافة الانهيار .. كلفة الإنتاج تحرق الأرض والاستيراد يضغط على السوق

mainThumb
المزارع الأردني على حافة الانهيار.. كلفة الإنتاج تحرق الأرض والاستيراد يضغط على السوق

23-08-2026 03:00 PM

printIcon

أخبار اليوم - لم تعد معاناة المزارع الأردني مجرد شكوى موسمية تتكرر مع كل ارتفاع في الأسعار، بل تحولت إلى أزمة تتسع يوماً بعد يوم، في ظل ارتفاع كلف الإنتاج، وتراجع هامش الربح، ومنافسة المنتجات المستوردة، وسط مطالب متصاعدة بأن تكون هناك سياسة زراعية تحمي المنتج المحلي وتمنح المزارع فرصة حقيقية للاستمرار.

وتكشف التعليقات المتداولة بين المزارعين والمتابعين حجم الاحتقان في الشارع الزراعي؛ فهناك من يختصر الأزمة بعبارة: "هو ضل مزارع؟"، في إشارة إلى حجم الضغوط التي باتت تدفع بعض العاملين في القطاع إلى التفكير في ترك الزراعة.

المشكلة، وفق ما يطرحه مزارعون، لا تتعلق بسعر المنتج النهائي فقط، وإنما تبدأ منذ اللحظة الأولى التي يدخل فيها المزارع أرضه. ارتفاع أسعار الأسمدة، والأدوية الزراعية، والبلاستيك، ومستلزمات الإنتاج، والطاقة وغيرها، جعل كلفة الزراعة ترتفع بصورة كبيرة، بينما لا يملك المزارع دائماً القدرة على تحديد سعر البيع أو ضمان تصريف محصوله بسعر يغطي تكاليفه.

ويشير أحد التعليقات إلى أن ارتفاع مدخلات الإنتاج وصل إلى مستويات جعلت المزرعة التي كانت تحتاج إلى نحو 10 آلاف دينار لتبدأ العمل، تحتاج اليوم إلى مبالغ أكبر بكثير، في ظل ارتفاع أسعار الأسمدة والعلاجات والأغطية البلاستيكية وغيرها من المستلزمات.

وبينما يتحمل المزارع مخاطر الطقس، والصقيع، وموجات الحر، والأمراض الزراعية، وتقلبات السوق، يجد نفسه في نهاية الموسم أمام معادلة صعبة: كلفة مرتفعة وسعر بيع غير مضمون.

وفي المقابل، يطرح مزارعون سؤالاً آخر حول الاستيراد، خصوصاً عندما يتزامن دخول منتجات زراعية من الخارج مع وجود إنتاج محلي قادر على تغطية جزء من احتياجات السوق.

وتعكس التعليقات حالة من الغضب تجاه استيراد بعض أصناف الخضار والفواكه، باعتبار أن المنتج المحلي يحتاج إلى سوق أكثر استقراراً، وإلى تنظيم للاستيراد يراعي مواسم الإنتاج المحلي ولا يترك المزارع في مواجهة منافسة قد لا يستطيع تحملها.

لكن في المقابل، ظهرت أصوات أخرى تحذر من اختزال أزمة الزراعة في ملف الاستيراد وحده، معتبرة أن القطاع يعاني مشكلات أعمق تتعلق بارتفاع تكاليف الإنتاج، والتسويق، وسلاسل التوريد، وضعف التخطيط الزراعي، وعدم استقرار الأسعار.

ويبقى المزارع الحلقة الأضعف في هذه السلسلة؛ فهو يدفع كلفة الإنتاج مقدماً، ثم ينتظر السوق ليحدد له قيمة محصوله.

المفارقة أن المستهلك قد يشتري المنتج الزراعي بسعر مرتفع، بينما يشكو المزارع في الوقت ذاته من أنه يبيعه بخسارة. وبين الطرفين تقف سلسلة طويلة من النقل والتخزين والوسطاء والتسويق، ما يطرح سؤالاً أساسياً: إذا كان المستهلك يدفع كثيراً والمزارع يخسر، فأين يذهب الفرق؟

الأكثر إثارة للقلق أن استمرار هذه المعادلة قد لا يعني خسارة المزارع وحده، بل يهدد الأمن الغذائي المحلي أيضاً. فخروج المزارعين من القطاع يعني تراجع المساحات المزروعة، وفقدان الخبرات الزراعية، وزيادة الاعتماد على الأسواق الخارجية.

ولهذا، فإن حماية المزارع لا تعني بالضرورة إغلاق باب الاستيراد، كما أن دعم الإنتاج المحلي لا يعني ترك المستهلك أمام أسعار مرتفعة. المطلوب هو سياسة متوازنة تنظم الاستيراد وفق حاجة السوق ومواسم الإنتاج، وتخفض كلف المدخلات، وتدعم التسويق والتخزين والتصنيع الزراعي، وتوفر للمزارع معلومات واضحة عن حجم الطلب والأسعار المتوقعة.

كما أن الحديث عن المزارع لا يجب أن يبقى محصوراً في المناسبات والمواسم الانتخابية أو البيانات الرسمية؛ فالمزارع يحتاج إلى حلول عملية على الأرض، وإلى جهة تستمع إليه قبل أن يقرر ترك أرضه.

السؤال اليوم لم يعد: كيف نزيد الإنتاج الزراعي؟ بل: كيف نضمن أن يبقى المزارع قادراً على الإنتاج؟

فالمزارع الذي يعمل تحت الشمس، ويواجه الصقيع والحرارة والخسائر والديون، ليس رقماً في تقرير اقتصادي. إنه الحلقة الأولى في منظومة الغذاء، وإذا انهارت هذه الحلقة، سيدفع الجميع الثمن.