هل يرفض الأردنيون العودة إلى التعليم عن بُعد؟

mainThumb
هل يرفض الأردنيون العودة إلى التعليم عن بُعد؟

24-03-2026 05:12 PM

printIcon


أخبار اليوم - راما منصور- يتّضح من المزاج العام أن قطاعًا واسعًا من الأردنيين لا ينظر إلى فكرة التحول نحو التعليم عن بُعد بوصفها حلًا مطمئنًا، وإنما يراها خطوة ثقيلة ترتبط في الذاكرة بفترة صعبة تركت آثارًا واضحة على التحصيل الدراسي، والانضباط اليومي، والحياة الأسرية، وحتى على سلوك الأطفال وعلاقتهم بالمدرسة. ولهذا، فإن أي حديث عن العودة إلى هذا الخيار يفتح فورًا باب القلق والاعتراض والتشكيك، حتى قبل صدور أي قرار رسمي.

الصورة الأوضح في هذا الجدل أن الاعتراض لا يأتي من زاوية واحدة. هناك من يرفض التعليم عن بُعد لأن التجربة السابقة، في تقديره، أضعفت المستوى التعليمي ودفعت الطلبة إلى التراخي والارتباط المفرط بالهواتف والشاشات، وأنتجت فجوات تعليمية ما زالت المدارس تحاول معالجتها حتى اليوم. وهناك من ينظر إلى المدرسة والجامعة باعتبارهما مساحة ضرورية للحياة الطبيعية، وتفريغ طاقة الطلبة، وحماية الإيقاع اليومي للأسر من الفوضى التي قد ترافق البقاء الطويل داخل المنازل تحت عنوان الدراسة الإلكترونية.

وفي المقابل، ظهر رأي آخر يربط المسألة بعوامل السلامة العامة والضغوط النفسية الناتجة عن أجواء التوتر وصفارات الإنذار والأحاديث المتزايدة عن احتمالات التصعيد، ويرى أن الدراسة أو العمل عن بُعد قد يكونان خيارًا احترازيًا أو مؤقتًا لتخفيف القلق، وتوفير الطاقة، وتقليل الحركة. إلا أن هذا الطرح، رغم حضوره، لم ينجح في سحب النقاش بالكامل باتجاه التأييد، لأن شريحة واسعة ما تزال مقتنعة بأن المجتمع قادر على الاستمرار، وأن تعطيل الحياة اليومية يجب أن يبقى في أضيق الحدود.

اللافت في هذا الجدل أن كثيرين باتوا يتعاملون مع النفي الرسمي بحذر، وكأنهم اعتادوا أن يبدأ القرار بالنفي قبل أن يتحول لاحقًا إلى إجراء فعلي، ما يعكس فجوة ثقة حقيقية بين الخطاب الرسمي وتوقعات الناس. وهذه النقطة تكشف أن القضية لم تعد مرتبطة بالتعليم وحده، وإنما بطريقة إدارة القلق العام، ومستوى وضوح الرسائل الحكومية، وقدرة الجهات المعنية على طمأنة المواطنين بخطة مفهومة وثابتة لا تترك المجال واسعًا للاجتهادات والقراءات المتناقضة.

وفي العمق، فإن الجدل الدائر يقول شيئًا مهمًا: الأردنيون، رغم القلق، لا يريدون العودة بسهولة إلى نمط استثنائي يربك الأسرة والمدرسة وسوق العمل معًا. المزاج الغالب يميل إلى الإبقاء على التعليم الوجاهي والعمل المباشر ما دامت الظروف تسمح، مع رفع الجاهزية واتخاذ الاحتياطات اللازمة وتحسين أدوات التنبيه والحماية والتواصل. ذلك أن الناس تريد الأمان، نعم، لكنها تريد أيضًا أن تستمر الحياة دون قرارات متسرعة تعيد إنتاج أعباء مرحلة لم تكن سهلة على أحد.

وهنا تبدو المسألة أبعد من مجرد سؤال إداري حول دوام المدارس أو المؤسسات. نحن أمام نقاش يمس صورة الدولة في نظر الناس: هل تدير المرحلة بهدوء وثقة وتدرج، أم تترك الشارع يتلقى الإشارات المتناقضة ويملأ الفراغ بالتكهنات؟ وبين هذا وذاك، يبقى العنوان الأوضح أن فئة كبيرة من الأردنيين ترفض التعليم عن بُعد، وترى أن بقاء التعليم وجاهيًا هو الخيار الأقرب إلى المصلحة العامة، ما دامت الدولة قادرة على حماية الناس وإبقاء الحياة منتظمة.