جريمة غسل الأموال

mainThumb
جريمة غسل الأموال..

01-04-2026 12:10 PM

printIcon
المحامي علاء أبو سويلم

في عالم تتسارع فيه حركة الأموال وتتلاشى فيه الحدود بين الاقتصاد المشروع وغير المشروع تبرز جريمة غسل الأموال بوصفها واحدة من أخطر الجرائم الاقتصادية التي تهدد كيان الدولة القانوني والمالي إذ لم تعد هذه الجريمة مجرد نشاط إجرامي تقليدي بل أصبحت منظومة احترافية معقدة ترتبط ارتباطا عضويا بجرائم أصلية كالاتجار بالمخدرات والفساد والاحتيال والتهرب الضريبي وتمويل الإرهاب وهو ما يجعل مواجهتها التزاما قانونيا وأخلاقيا يقع على عاتق المشرع والقضاء والأجهزة الرقابية

وتأسيسا على التأصيل القانوني المستقر فإن جريمة غسل الأموال تقوم على عملية تحويل الأموال المتحصلة من مصادر غير مشروعة إلى أموال تبدو وكأنها ذات مصدر مشروع من خلال وسائل متعددة تهدف إلى إخفاء الحقيقة القانونية لتلك الأموال وتمويه مصدرها وهو ما أكدته الدراسة الواردة في الملف حيث بينت أن جوهر الجريمة يكمن في “فصل الأموال عن مصدرها غير المشروع وإدخالها في النظام المالي بصورة مشروعة ظاهريا” 

ومن حيث البناء القانوني فإن هذه الجريمة لا تقوم إلا بتوافر ثلاثة أركان مترابطة الركن المادي الذي يتمثل في أي نشاط من شأنه نقل أو تحويل أو تمويه الأموال غير المشروعة والركن المعنوي القائم على العلم والإرادة أي إدراك الجاني بعدم مشروعية المصدر واتجاه قصده إلى إخفائه والركن المفترض وهو وجود جريمة أصلية سابقة تولدت عنها هذه الأموال وهو ما يميز غسل الأموال عن غيره من الجرائم المالية الأخرى

وتتجلى خطورة هذه الجريمة في آثارها العميقة على الاقتصاد الوطني حيث تؤدي إلى إضعاف الثقة في النظام المصرفي وتشويه المنافسة الاقتصادية وخلق اقتصاد خفي موازٍ خارج نطاق الرقابة كما تسهم في تغذية الفساد الإداري والمالي وتمكين الشبكات الإجرامية من إعادة تدوير عائداتها بصورة قانونية ظاهرية وقد أشارت الدراسات إلى أن حجم الأموال المغسولة عالميا يبلغ مئات المليارات سنويا وهو ما يعكس حجم التحدي الذي تواجهه الدول 

ومن الناحية العملية تمر عملية غسل الأموال بثلاث مراحل رئيسية تبدأ بمرحلة الإيداع حيث يتم إدخال الأموال غير المشروعة إلى النظام المالي ثم مرحلة التمويه التي يتم فيها إجراء عمليات مالية معقدة لإخفاء المصدر الحقيقي للأموال وأخيرا مرحلة الدمج التي يتم من خلالها إعادة إدخال الأموال في الاقتصاد المشروع بحيث تبدو وكأنها عوائد قانونية وهي مراحل قد تتداخل بحسب تطور الأساليب الإجرامية

أما الوسائل المستخدمة في غسل الأموال فقد شهدت تطورا ملحوظا حيث تشمل تجزئة الإيداعات البنكية والتواطؤ مع بعض العاملين في المؤسسات المالية واستخدام الشركات الوهمية وتحويل الأموال عبر الحدود وشراء الأصول ذات القيمة العالية إضافة إلى استغلال التطور التكنولوجي مثل النقود الإلكترونية والتحويلات الرقمية وهو ما يعكس قدرة الجريمة على التكيف مع التطور المالي والتقني 

وفي الإطار التشريعي الأردني تصدى المشرع لهذه الجريمة من خلال قانون مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب رقم 20 لسنة 2021 الذي جاء متوافقا مع المعايير الدولية حيث عرّف الجريمة بشكل واسع وشمل كافة صور السلوك المرتبطة بها كما ألزم المؤسسات المالية وغير المالية بتطبيق إجراءات العناية الواجبة والتحقق من هوية العملاء والإبلاغ عن العمليات المشبوهة

كما أنشأ القانون وحدة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب لتكون الجهة المختصة بتلقي البلاغات وتحليلها والتنسيق مع الجهات المحلية والدولية وهو ما يعزز من فعالية المنظومة الرقابية ويضمن سرعة التعامل مع الجرائم المالية المعقدة

ومن حيث العقوبات فقد تبنى المشرع سياسة تشريعية صارمة تقوم على الحبس والغرامات المالية ومصادرة الأموال المتحصلة من الجريمة والأدوات المستخدمة فيها وذلك بهدف تجفيف منابع الجريمة ومنع إعادة تدوير الأموال غير المشروعة داخل الاقتصاد الوطني

ولا يمكن معالجة جريمة غسل الأموال بمعزل عن مكافحة الفساد إذ يشكل الفساد المصدر الرئيسي لتوليد الأموال غير المشروعة ومن هنا جاء قانون هيئة النزاهة ومكافحة الفساد ليكمل المنظومة القانونية من خلال تجريم أفعال الرشوة والاختلاس واستغلال الوظيفة وإساءة استعمال السلطة ومنح الهيئة صلاحيات واسعة في التحقيق والملاحقة واسترداد الأموال العامة

ويظهر التكامل التشريعي بوضوح بين القانونين حيث يستهدف قانون مكافحة الفساد منع توليد الأموال غير المشروعة في حين يعمل قانون مكافحة غسل الأموال على تتبع هذه الأموال بعد نشأتها ومنع إدماجها في الاقتصاد المشروع وهو ما يشكل منظومة دفاع قانونية مزدوجة تحاصر الجريمة من منبعها ومصبها في آن واحد

إن التحدي الحقيقي في مواجهة هذه الجرائم لا يكمن في سن التشريعات فحسب بل في كفاءة تطبيقها وقدرة الأجهزة المختصة على مواكبة الأساليب الإجرامية المتطورة الأمر الذي يقتضي تعزيز أدوات التحري المالي وتطوير الكوادر البشرية وتكثيف التعاون الدولي وتبادل المعلومات

وفي تقدير قانوني راسخ فإن نجاح الدولة في مكافحة غسل الأموال والفساد يعد مؤشرا حقيقيا على قوة سيادة القانون فيها فحيثما تُحكم الرقابة وتُفعل المساءلة تنحسر الجريمة وحيثما توجد الثغرات تتسلل الأموال غير المشروعة لتعيد تشكيل الاقتصاد في الخفاء بعيدا عن أعين العدالة والقانون