أخبار اليوم - تالا الفقيه - أثار التوسع الكبير في استخدام تطبيقات توصيل الأدوية خلال السنوات الأخيرة نقاشًا متصاعدًا حول مستوى الأمان والرقابة المرتبطة بهذه الخدمات، في ظل تحذيرات أطلقها مختصون ومراقبون اعتبروا أن بعض هذه التطبيقات قد تتحول إلى “قنابل موقوتة” تهدد حياة المرضى، خصوصًا مع تزايد الشكاوى المتعلقة بأخطاء في صرف الأدوية، أو إيصال علاجات دون وصفات دقيقة، أو الاعتماد على مندوبين لا يملكون أي خلفية طبية.
ومع ازدياد اعتماد المواطنين على التطبيقات الإلكترونية في مختلف تفاصيل حياتهم اليومية، أصبحت خدمات توصيل الأدوية خيارًا سريعًا ومريحًا للكثير من المرضى، خاصة كبار السن وأصحاب الأمراض المزمنة، إلا أن هذا التحول السريع فتح الباب أمام تساؤلات واسعة حول حجم الرقابة الفعلية على ما يجري خلف شاشات التطبيقات.
ويقول مواطنون إن هذه الخدمات وفرت عليهم عناء الذهاب إلى الصيدليات، خصوصًا في ساعات الليل أو أثناء الظروف الصحية الطارئة، معتبرين أن التكنولوجيا ساهمت في تسهيل الوصول إلى العلاج بشكل غير مسبوق. ويرى البعض أن تطبيقات التوصيل أصبحت ضرورة حقيقية لا يمكن الاستغناء عنها، خاصة في ظل الازدحام وصعوبة التنقل لبعض الفئات.
لكن في المقابل، يعبّر آخرون عن مخاوف متزايدة من الاعتماد الكامل على هذه التطبيقات، بعد تكرار قصص عن تسليم أدوية خاطئة أو بدائل دوائية دون توضيح كافٍ للمريض. ويؤكد عدد من المواطنين أن التعامل المباشر مع الصيدلي داخل الصيدلية كان يمنحهم مساحة للاستفسار والفهم، وهو ما يفتقده كثيرون اليوم مع الاكتفاء بطلب إلكتروني سريع يصل إلى باب المنزل.
ويرى مختصون في القطاع الصحي أن المشكلة لا تكمن في فكرة التوصيل نفسها، بل في غياب الضوابط الصارمة التي تنظم هذا المجال المتسارع. ويشير صيادلة إلى أن بعض التطبيقات تحولت من مجرد وسيلة مساعدة إلى “سوق مفتوح” قد تُباع فيه أدوية حساسة دون تدقيق كافٍ، محذرين من خطورة صرف بعض العلاجات دون التأكد من التاريخ المرضي للمستخدم أو تداخلات الأدوية التي يتناولها.
ويؤكد مختصون أن الخطأ في الدواء لا يشبه أي خطأ تجاري آخر، لأن نتائجه قد تكون قاتلة في بعض الحالات، خاصة لمرضى القلب والسكري والضغط أو الأطفال وكبار السن. كما يشيرون إلى أن الاعتماد على السرعة في التسليم قد يدفع بعض الجهات إلى التغاضي عن إجراءات مهمة تتعلق بالتأكد من الوصفات الطبية أو حفظ الأدوية ضمن درجات حرارة مناسبة أثناء النقل.
في المقابل، يدافع عاملون في قطاع التطبيقات الإلكترونية عن هذه الخدمات، معتبرين أن تحميل التطبيقات كامل المسؤولية أمر غير منصف، خاصة أن كثيرًا من الصيدليات التقليدية قد ترتكب أيضًا أخطاء بشرية. ويؤكدون أن التطبيقات الحديثة باتت تعتمد أنظمة إلكترونية دقيقة، وأن بعضها يوفر استشارات مباشرة مع صيادلة معتمدين، إلى جانب تتبع الطلبات وضمان وصولها خلال وقت قصير.
ويرى مراقبون أن المشكلة الحقيقية تكمن في التسارع الكبير للتكنولوجيا مقارنة بسرعة تحديث القوانين والأنظمة الرقابية، مشيرين إلى أن القطاع الصحي يُعد من أكثر القطاعات حساسية، ولا يحتمل أي فراغ تشريعي أو رقابي، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بصحة المرضى وسلامتهم.
كما يحذر مختصون من انتشار ثقافة “الدواء بضغطة زر”، معتبرين أن سهولة الوصول إلى العلاجات قد تشجع البعض على استخدام أدوية دون استشارة طبية حقيقية، أو الاعتماد على نصائح متداولة عبر الإنترنت بدلاً من مراجعة الأطباء والمختصين.
وفي خضم هذا النقاش، تتزايد المطالب بفرض رقابة أكثر تشددًا على تطبيقات توصيل الأدوية، وإلزامها بمعايير واضحة تتعلق بحفظ البيانات الطبية، والتحقق من الوصفات، وتأهيل العاملين، وضمان وجود إشراف صيدلاني مباشر على جميع الطلبات.
وبين من يرى في هذه التطبيقات نقلة نوعية في الخدمات الصحية، ومن يعتبرها خطرًا متناميًا قد يتحول إلى تهديد حقيقي لحياة المرضى، يبقى السؤال مطروحًا حول قدرة الجهات الرقابية على موازنة التطور التكنولوجي مع حماية صحة المواطنين، في قطاع لا يحتمل الخطأ مهما بدا بسيطًا.