أخبار اليوم – عواد الفالح – في كل مرة يفتح فيها ملف حبس المدين في الأردن، يعود الانقسام نفسه إلى الشارع: فريق يرى أن إلغاء الحبس “شجع على أكل حقوق الناس”، وفريق آخر يعتبر أن إعادة الحبس تعني ببساطة الزج بآلاف الأردنيين الفقراء والمتعثرين خلف القضبان في بلد يعيش أصلًا أزمة اقتصادية خانقة.
اللافت أن الحديث عن تعديل قانون التنفيذ والعودة إلى المواد الخاصة بحبس المدين عاد بقوة خلال الأيام الأخيرة، وسط تساؤلات واسعة حول الجهات التي تدفع لإعادة فتح هذا الملف، ولماذا يعود الآن تحديدًا.
في الشارع الأردني، لا يوجد موقف واحد. التاجر الذي خسر أمواله بسبب شيكات أو ديون متعثرة يرى أن القانون الحالي أضعف قدرة الدائن على استرداد حقه، وأن بعض المدينين استغلوا غياب الحبس لنقل ممتلكاتهم أو التهرب من السداد. أحد المواطنين كتب: “ضاعت حقوق الناس”، فيما اعتبر آخر أن “عودة الحبس تحرك عجلة الاقتصاد وتعيد الثقة للبيع الآجل”.
على الجهة الأخرى، يبدو الغضب أكبر لدى فئات واسعة من المواطنين المتعثرين أو الرافضين لفكرة الحبس أصلًا. بالنسبة لهم، المشكلة ليست في “نصابين” فقط، بل في واقع اقتصادي كامل دفع الناس إلى الديون أصلًا؛ رواتب ضعيفة، بطالة، قروض، أقساط جامعات، وإيجارات، ثم تأتي المطالبة بحبس من عجز عن الدفع. أحد المعلقين كتب: “إذا حبسته، من أين سيدفع؟”، بينما رأى آخر أن “المدين المنتج خارج السجن أفضل من المدين العاجز داخله”.
اللافت أيضًا أن جزءًا كبيرًا من النقاش الشعبي بدأ يوجه أصابع الاتهام نحو شركات التمويل وبعض التجار والمرابين، معتبرين أنهم الطرف الأكثر ضغطًا لإعادة الحبس، خاصة بعد تراجع قدرة هذه الجهات على تحصيل الأموال كما كان يحدث سابقًا. في المقابل، يرفض مؤيدو الحبس هذا الطرح، ويقولون إن القضية ليست “ربا” أو “مرابين”، بل حماية لحقوق الناس ومنع انتشار الاحتيال المالي.
قانونيون ومختصون بالشأن الاقتصادي يرون أن القضية أعقد من مجرد “مع أو ضد”. فالأردن اليوم يعيش واقعًا اقتصاديًا مختلفًا تمامًا عن السنوات الماضية، وهناك مئات آلاف المتعثرين الحقيقيين الذين لا يملكون أصلًا القدرة على السداد، مقابل وجود حالات احتيال واستغلال واضحة لا يمكن تجاهلها.
ويؤكد مختصون أن المشكلة الأساسية تكمن في غياب التوازن بين حماية الدائن وعدم تدمير حياة المدين بالكامل. فالسجن، بحسب كثير من الاقتصاديين، لا ينتج مالًا، بل قد يقطع مصدر رزق الشخص ويحوّل عائلته إلى عبء اجتماعي واقتصادي إضافي على الدولة. وفي المقابل، فإن غياب أدوات ردع فعالة قد يضرب الثقة بالسوق ويضعف حركة البيع والائتمان.
كما يلفت متابعون إلى أن الأردن التزم دوليًا بعدم حبس الإنسان بسبب العجز عن الوفاء بالتزام تعاقدي، ما يجعل أي حديث عن إعادة الحبس يفتح بابًا واسعًا للنقاش القانوني والحقوقي، وليس الاقتصادي فقط.
ورغم كل هذا الجدل، يبقى السؤال الأكثر حساسية: هل من يقف خلف إعادة فتح ملف حبس المدين يبحث فعلًا عن حماية الحقوق، أم عن إعادة أدوات الضغط القديمة التي كانت تستخدم لتحصيل الأموال مهما كانت الظروف الاجتماعية والإنسانية؟
الشارع الأردني اليوم يبدو منقسمًا أكثر من أي وقت مضى؛ بين من يقول إن “الحقوق ضاعت”، ومن يرى أن “حبس الناس لن يبني اقتصادًا”، فيما تبدو الحكومة حتى اللحظة حذرة في الاقتراب من ملف يعرف الجميع أنه واحد من أكثر الملفات اشتعالًا وحساسية في الأردن.