أخبار اليوم - راما منصور - في وقت تتزايد فيه الشكاوى من ارتفاع تكاليف المعيشة والضغوط الاقتصادية في الأردن، يبرز مشهد آخر يثير كثيرًا من الجدل داخل الشارع، يتمثل بالإقبال المتزايد لدى بعض الشباب على شراء الملابس والأحذية والإكسسوارات والعطور ذات العلامات التجارية المعروفة، حتى مع ارتفاع أسعارها مقارنة بالبدائل الأقل تكلفة، ما فتح باب النقاش حول طبيعة الأولويات لدى الجيل الجديد، وما إذا كانت "الماركات" تحولت من مجرد كماليات إلى جزء من الصورة الاجتماعية التي يسعى البعض للحفاظ عليها.
وخلال السنوات الأخيرة، توسّعت ثقافة العلامات التجارية بشكل واضح، سواء عبر المولات أو المتاجر الإلكترونية أو حتى صفحات البيع عبر مواقع التواصل الاجتماعي، بالتزامن مع التأثير الكبير للمؤثرين والمشاهير الذين باتوا يعرضون أنماط حياة ترتبط بشكل مباشر بالمظهر والاستهلاك، الأمر الذي انعكس على سلوك شريحة من الشباب الذين أصبحوا يعتبرون بعض الماركات جزءًا من الهوية الشخصية أو المكانة الاجتماعية.
ويرى مراقبون أن هذا التحول لا يمكن فصله عن طبيعة العصر الرقمي، حيث أصبحت الصورة والانطباع الخارجي عنصرًا أساسيًا في الحياة اليومية، خاصة مع الانتشار الواسع لمنصات التواصل الاجتماعي التي دفعت كثيرين للاهتمام بالمظهر والعلامات التجارية أكثر من السابق، حتى في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة.
في المقابل، يعتبر البعض أن الأمر لا يتعلق بالاستعراض فقط، بل بثقافة استهلاكية جديدة تقوم على فكرة الجودة والاستمرارية، إذ يرى مؤيدون لشراء الماركات أن بعض المنتجات الأصلية تدوم لفترات أطول وتوفر جودة أفضل من المنتجات التقليدية، ما يجعلها خيارًا اقتصاديًا على المدى البعيد رغم ارتفاع سعرها عند الشراء.
لكن هذا الطرح يقابله رأي آخر يرى أن جزءًا من الإقبال على الماركات يرتبط بالضغوط الاجتماعية ومحاولة مجاراة الصورة المنتشرة عبر الإنترنت، خاصة بين فئة الشباب، حيث باتت بعض العلامات التجارية تُستخدم كوسيلة لإثبات المكانة الاجتماعية أو مواكبة "الترند"، حتى لو كان ذلك على حساب الأولويات الأساسية أو ضمن إمكانيات مالية محدودة.
ويشير مختصون في علم الاجتماع إلى أن التحولات الاقتصادية لم تؤدِّ دائمًا إلى تقليل النزعة الاستهلاكية، بل دفعت أحيانًا بعض الأفراد إلى التمسك بالمظاهر بشكل أكبر، باعتبارها وسيلة للهروب من الضغوط أو لتعزيز الشعور بالقبول الاجتماعي، خاصة في المجتمعات التي تعطي أهمية كبيرة للصورة الخارجية والانطباع العام.
كما يرى مختصون أن وسائل التواصل الاجتماعي لعبت دورًا محوريًا في إعادة تشكيل مفهوم النجاح والقبول الاجتماعي لدى فئة واسعة من الشباب، حيث أصبحت المقارنات اليومية مع حياة الآخرين وأنماط استهلاكهم تؤثر بشكل مباشر على قرارات الشراء، حتى في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة.
في المقابل، يرفض آخرون الانتقادات الموجهة للشباب، معتبرين أن من حق أي شخص شراء ما يرغب به ضمن إمكانياته الخاصة، وأن التركيز على إنفاق الشباب في الماركات يتجاهل تغيّرات أوسع في أنماط الحياة والاستهلاك داخل المجتمع بأكمله، مشيرين إلى أن الاهتمام بالمظهر والأناقة ليس ظاهرة جديدة، وإنما اختلفت أدواته وأشكاله مع تطور الزمن.
ويرى متابعون أن القضية لم تعد مرتبطة بالماركات وحدها، بل بثقافة استهلاكية أوسع فرضتها الإعلانات والتطبيقات الرقمية وسهولة الشراء الإلكتروني، حيث أصبح الوصول إلى المنتجات العالمية أكثر سهولة من أي وقت مضى، ما ساهم في توسيع دائرة الاهتمام بالعلامات التجارية بين مختلف الفئات العمرية.
ومع استمرار الجدل، يبقى السؤال حاضرًا داخل الشارع الأردني: هل أصبحت الماركات بالفعل أولوية لدى بعض الشباب رغم الظروف الاقتصادية، أم أن ما يحدث مجرد انعكاس طبيعي لتغيّر أنماط الحياة والاهتمامات في عصر أصبحت فيه الصورة جزءًا أساسيًا من الواقع اليومي؟