أخبار اليوم - رباب دولة
في زمن لم تكن فيه وسائل التواصل الاجتماعي قد اجتاحت تفاصيل حياتنا اليومية، كان الجار يعرف جاره، ويشاركه أفراحه وأحزانه، ويطمئن عليه إذا غاب، ويقف إلى جانبه عند الحاجة. أما اليوم، فقد أصبح من المألوف أن يعيش أشخاص في المبنى ذاته أو الحي نفسه لسنوات طويلة دون أن يعرف أحدهم اسم الآخر أو حتى طبيعة عمله.
هذا التحول الاجتماعي لم يأتِ من فراغ، بل فرضته متغيرات عديدة رافقت تسارع وتيرة الحياة، وازدياد الضغوط الاقتصادية والمهنية، إضافة إلى الانشغال المستمر بالعالم الرقمي الذي بات يستحوذ على جزء كبير من وقت الأفراد واهتماماتهم. فبين شاشة الهاتف ومتطلبات العمل ومسؤوليات الحياة اليومية، تراجعت المساحات التي كانت تجمع الجيران وتمنحهم فرصة التعارف وبناء العلاقات الإنسانية.
ويرى مختصون في الشأن الاجتماعي أن العلاقة بين الجيران كانت تشكل في السابق أحد أهم أشكال الترابط المجتمعي، حيث لعبت دوراً محورياً في تعزيز قيم التكافل والتعاون والشعور بالأمان. أما اليوم، فقد أصبحت العلاقة في كثير من الأحيان تقتصر على التحية العابرة في المصعد أو عند مدخل البناية، إن وجدت أصلاً.
ولا يقتصر أثر هذا التباعد على الجانب الاجتماعي فقط، بل يمتد ليؤثر على الإحساس بالانتماء للمكان. فكلما ضعفت الروابط بين سكان الحي أو البناية، تراجع الشعور بالمسؤولية المشتركة تجاه البيئة المحيطة، وأصبح كل فرد يعيش في دائرة مغلقة تقتصر على أسرته أو محيطه الضيق.
ورغم ذلك، لا تزال هناك نماذج مشرقة تحافظ على دفء العلاقات بين الجيران، من خلال المبادرات البسيطة كالسؤال عن الأحوال، أو تبادل التهاني في المناسبات، أو تقديم المساعدة عند الحاجة. وهي ممارسات قد تبدو صغيرة في ظاهرها، لكنها تسهم في إعادة بناء جسور الثقة والتواصل داخل المجتمع.
ويؤكد خبراء اجتماعيون أن استعادة روح الجيرة لا تحتاج إلى جهود كبيرة بقدر ما تحتاج إلى وعي بأهمية العلاقات الإنسانية. فالتواصل المباشر، وإحياء المناسبات الاجتماعية المشتركة، وتشجيع المبادرات المجتمعية داخل الأحياء السكنية، يمكن أن يسهم في كسر الحواجز التي صنعتها الحياة الحديثة.
وفي الوقت الذي تتسارع فيه التكنولوجيا وتزداد فيه وسائل الاتصال تطوراً، يبقى السؤال قائماً: كيف أصبحنا أكثر قدرة على التواصل مع أشخاص يبعدون عنا آلاف الكيلومترات، وأقل قدرة على التعرف إلى جيران يشاركوننا السكن والجوار؟
ربما لا تحتاج الإجابة إلى دراسات معقدة، بقدر ما تحتاج إلى وقفة صادقة مع أنفسنا لإعادة اكتشاف قيمة الجار، تلك القيمة التي شكلت على مدى عقود ركناً أساسياً من أركان التماسك الاجتماعي، وحافظت على دفء العلاقات الإنسانية التي لا يمكن لأي وسيلة تواصل حديثة أن تعوضها.