بين الحاجة والاحتيال .. هل يقع الباحثون عن العمل ضحية سماسرة التوظيف؟

mainThumb
بين الحاجة والاحتيال.. هل يقع الباحثون عن العمل ضحية سماسرة التوظيف؟

11-06-2026 03:10 PM

printIcon

أخبار اليوم - تالا الفقيه - في وقت تتزايد فيه أعداد الباحثين عن فرص العمل وسط تحديات اقتصادية ومعيشية متصاعدة، تتردد في الأردن أحاديث وشكاوى عن وجود أفراد أو جهات غير رسمية يُطلق عليهم البعض وصف "سماسرة الوظائف"، يزعمون قدرتهم على تأمين فرص عمل مقابل مبالغ مالية أو وعود بمكاسب لاحقة، في قضية تثير جدلاً واسعاً بين من يرى أنها شكل من أشكال الاستغلال الذي يستهدف الفئات الأكثر حاجة، وبين من يعتبر أن بعض الروايات المتداولة مبالغ فيها أو تفتقر إلى الأدلة الكافية.

ويقول محمد، وهو شاب جامعي أمضى سنوات في البحث عن وظيفة، إنه تلقى أكثر من عرض عبر وسطاء ادعوا امتلاك علاقات قادرة على تسهيل تعيينه في مؤسسات مختلفة مقابل مبالغ مالية. ويضيف أن الإحباط الذي يعيشه كثير من الباحثين عن العمل يجعل بعضهم مستعداً لتصديق أي فرصة قد تنقله من دائرة البطالة إلى سوق العمل، حتى لو كانت تلك الفرصة محفوفة بالمخاطر.

ويؤكد أنه رفض دفع أي مبالغ، لكنه يعرف أشخاصاً خسروا أموالهم بعد وعود لم تتحقق، مشيراً إلى أن بعض الوسطاء يستغلون حاجة الشباب وأحلامهم بمستقبل أفضل، خصوصاً في ظل المنافسة الكبيرة على الوظائف المتاحة.

من جانبها، تروي سيدة في الثلاثينيات من عمرها تجربة مشابهة عندما بحثت عن فرصة عمل بعد سنوات من الانقطاع عن سوق العمل. وتقول إنها تلقت اتصالات من أشخاص قدموا أنفسهم على أنهم قادرون على تسهيل تعيينها في إحدى الجهات مقابل رسوم أو "تكاليف إدارية"، لكنها بدأت تشك في الأمر عندما طُلب منها تحويل مبلغ مالي قبل الحصول على أي وثائق رسمية أو عقد عمل.

وفي المقابل، يرى بعض المراقبين أن الحديث عن شبكات منظمة لسماسرة الوظائف يحتاج إلى أدلة موثقة وأحكام قانونية واضحة، مؤكدين أن جزءاً من القصص المتداولة قد يكون ناتجاً عن استغلال فردي أو عمليات احتيال محدودة لا ترقى بالضرورة إلى وجود شبكات واسعة النطاق.

ويقول الخبير الاقتصادي الدكتور مازن العتوم إن البطالة المرتفعة تخلق بيئة خصبة لظهور أشكال مختلفة من الاستغلال، سواء عبر إعلانات توظيف مضللة أو وسطاء يدّعون امتلاك نفوذ وعلاقات خاصة. ويضيف أن المشكلة لا تكمن فقط في الأشخاص الذين يروجون لهذه الخدمات، بل أيضاً في الظروف الاقتصادية التي تدفع بعض الباحثين عن العمل إلى المخاطرة بأموالهم ومدخراتهم أملاً بالحصول على فرصة.

ويرى العتوم أن أي سوق عمل يعاني فجوة كبيرة بين العرض والطلب يصبح أكثر عرضة لظهور ممارسات غير قانونية أو غير أخلاقية، مشدداً على أهمية تعزيز الشفافية في عمليات التوظيف وإتاحة فرص عادلة وواضحة للجميع.

أما المختص في الشؤون القانونية المحامي أحمد الرواشدة، فيؤكد أن طلب المال مقابل وعد بالتوظيف قد يندرج في بعض الحالات ضمن أفعال يعاقب عليها القانون إذا ثبت وجود احتيال أو تضليل أو استغلال. ويضيف أن المشكلة الأساسية تكمن في أن كثيراً من المتضررين لا يتقدمون بشكاوى رسمية، إما خوفاً من الإحراج أو بسبب اعتقادهم أن فرص استرداد أموالهم محدودة.

وفي الجهة المقابلة، يشير بعض العاملين في قطاع الموارد البشرية إلى أن التعميم قد يضر بسمعة جهات تعمل بشكل قانوني في مجالات التوظيف والاستشارات المهنية. ويقول أحد مديري التوظيف في شركة خاصة إن هناك فرقاً بين شركات التوظيف المرخصة التي تقدم خدمات معلنة وواضحة وفق الأطر القانونية، وبين أفراد يستغلون حاجة الناس ويقدمون وعوداً لا يملكون القدرة على تنفيذها.

ويضيف أن الكثير من الشركات تعتمد اليوم على أنظمة توظيف إلكترونية وإجراءات تنافسية تجعل فرص التدخل الخارجي محدودة مقارنة بما يعتقده البعض، مؤكداً أن الكفاءة والخبرة ما تزالان العاملين الأهم في العديد من عمليات التوظيف.

غير أن هذا الطرح لا يقنع جميع الباحثين عن العمل. فعدد منهم يرى أن انتشار قصص الواسطة والمحسوبية والوعود غير الرسمية يعزز الشعور بعدم تكافؤ الفرص، حتى في الحالات التي لا توجد فيها مخالفات قانونية مثبتة. ويقول شاب من محافظة إربد إن المشكلة ليست فقط في الأشخاص الذين يطلبون المال، بل في الاعتقاد السائد لدى البعض بأن العلاقات الشخصية أصبحت أكثر تأثيراً من المؤهلات والخبرات.

ويرى مراقبون اجتماعيون أن القضية تتجاوز الجانب القانوني لتلامس مسألة الثقة بين المواطنين وسوق العمل. فكلما ازدادت البطالة وقلّت الفرص المتاحة، ازدادت احتمالات وقوع الباحثين عن العمل ضحايا لوعود كاذبة أو عروض مشبوهة، خصوصاً عبر وسائل التواصل الاجتماعي والمنصات الرقمية التي يصعب أحياناً التحقق من مصداقية ما يُنشر عليها.

وبين شهادات تتحدث عن خسائر مالية وآمال مهدورة، وآراء تؤكد ضرورة التحقق من المعلومات قبل توجيه الاتهامات أو تعميم الأحكام، يبقى ملف سماسرة الوظائف من القضايا التي تثير نقاشاً واسعاً في الشارع الأردني. فبالنسبة للباحث عن عمل، لا يمثل الأمر مجرد نقاش حول سوق التوظيف، بل يتعلق بمستقبله الشخصي وفرصته في بناء حياة مستقرة، بينما يرى المختصون أن مواجهة أي استغلال محتمل تتطلب شفافية أكبر، ورقابة أكثر فاعلية، ووعياً مجتمعياً يحول دون تحول الحاجة إلى العمل إلى باب مفتوح أمام الاستغلال.