جريمتان خلال أسبوع .. آباء يقتلون أبناءهم والخلافات تتحول إلى رصاص

mainThumb
جريمتان خلال أسبوع.. آباء يقتلون أبناءهم والخلافات تتحول إلى رصاص

27-08-2026 10:43 AM

printIcon
أخبار اليوم – تالا الفقيه

خلال خمسة أيام فقط، شهد الأردن جريمتين انتهتا بمقتل شابين على يد والديهما، الأولى في محافظة البلقاء يوم 22 آب، والثانية في محافظة إربد يوم 26 آب، وفي الحالتين أشارت المعلومات الأمنية الأولية إلى وجود خلافات بين الأب والابن سبقت إطلاق النار.

في البلقاء، أعلنت مديرية الأمن العام وفاة شاب عشريني بعد إصابته بعدة عيارات نارية أطلقها عليه والده إثر خلاف بينهما، فيما بوشرت التحقيقات لمعرفة تفاصيل الحادثة. وبعد أربعة أيام، تكررت الصورة في إربد، حيث توفي شخص متأثراً بعيار ناري أطلقه والده إثر خلافات بينهما، وألقت الأجهزة الأمنية القبض على مطلق النار وضبطت السلاح المستخدم.

التشابه بين الحادثتين يفتح نقاشاً أوسع من تفاصيل الجريمتين: كيف يمكن لخلاف داخل الأسرة أن يصل إلى لحظة يوجه فيها أب سلاحه نحو ابنه؟ وأين تقع النقطة التي يتحول عندها الغضب من خلاف يمكن احتواؤه إلى فعل لا يمكن التراجع عنه؟

القراءة النفسية لمثل هذه الجرائم تحتاج إلى الحذر، إذ لا يمكن تشخيص مرتكب جريمة أو تحديد حالته النفسية من تفاصيل خبرية محدودة، كما أن ربط القتل تلقائياً بالمرض النفسي يمثل تفسيراً غير دقيق. استشاري الطب النفسي علاء الفروخ حذر سابقاً من هذا الربط، موضحاً أن مرتكبي الجرائم الأسرية قد لا يعانون اضطرابات نفسية بالمعنى الطبي، وقد ترتبط بعض الحالات بمشكلات عميقة في الشخصية وطريقة التعامل مع الغضب والنزاع.

ويرى مختصون أن العنف الأسري القاتل غالباً ما ينتج عن تداخل أكثر من عامل، منها تراكم الخلافات، وضعف القدرة على إدارة الغضب، والشعور بفقدان السيطرة، والضغوط الاجتماعية والاقتصادية، والعزلة، وغياب التدخل المبكر عندما تبدأ التهديدات أو السلوكيات العدوانية داخل المنزل. وأكد اختصاصي علم النفس الإكلينيكي عاطف القاسم أن تفسير مثل هذه الجرائم بعامل واحد غير ممكن، وأنها قد تأتي نتيجة تفاعل عوامل نفسية مع سياقات اجتماعية ضاغطة.

وتشير منظمة الصحة العالمية أيضاً إلى أن السلوك العنيف يرتبط بمجموعة متداخلة من عوامل الخطر الفردية والأسرية والاجتماعية، من بينها التعرض السابق للعنف داخل الأسرة، وأنماط التربية القاسية، وبعض المشكلات السلوكية وتعاطي المواد، ما يؤكد أن الوقاية تبدأ قبل وقوع الجريمة بوقت طويل.

وفي نقاش القضية مع المواطنين، تبرز عدة زوايا تحتاج إلى الاستماع إليها بعيداً عن التبرير للجريمة: هل تغيرت طريقة إدارة الخلاف داخل بعض الأسر؟ وهل أصبحت سرعة الغضب واستخدام السلاح أخطر من قدرة الأسرة والمحيط الاجتماعي على التدخل؟ ولماذا ينتظر المحيطون أحياناً حتى تتحول التهديدات والمشاجرات المتكررة إلى مأساة؟

ويرى مواطنون أن الخلاف بين الأب وابنه، مهما بلغت حدته، يحتاج إلى وجود مساحة للتدخل من الأقارب وأصحاب التأثير قبل وصوله إلى مرحلة العنف، فيما يركز آخرون على سهولة انتقال بعض المشكلات العائلية من النقاش إلى الاعتداء عندما يكون السلاح موجوداً في لحظة غضب.

ويطرح جانب آخر من النقاش مسؤولية الأسرة نفسها في التقاط العلامات المبكرة؛ فالتهديد المتكرر، والاعتداء الجسدي، والغضب الخارج عن السيطرة، والحديث عن الانتقام، كلها مؤشرات تستحق التعامل معها بجدية وطلب المساعدة قبل حدوث الكارثة. خبراء تحدثوا عن أهمية الإرشاد الأسري وإدارة الغضب وخطوط الدعم والتدخل المبكر كأدوات للحد من انتقال النزاعات الأسرية إلى مستويات أشد خطورة.

الأردن شهد خلال عام 2025 نحو 17 واقعة قتل ووفاة مرتبطة بالإطار الأسري، وفق بيانات نقلتها الجزيرة عن جمعية معهد تضامن النساء الأردني، ما يجعل التعامل مع العنف داخل الأسرة قضية تتجاوز كل حادثة منفردة إلى ضرورة تعزيز الوقاية والتدخل المبكر والحماية.

جريمتا البلقاء وإربد خلال أيام قليلة تضعان أمام المجتمع صورة مؤلمة: الخلاف الذي يبدأ داخل المنزل قد ينتهي بفقدان ابن، وأب يواجه القضاء، وأسرة تحمل آثار الجريمة لسنوات. ومعالجة المشهد تبدأ من منع العنف قبل أن يصل إلى السلاح، وفتح أبواب التدخل الأسري والنفسي والاجتماعي عند أول إشارات الخطر.