أخبار اليوم - تالا الفقيه - أثار إعلان تراجع معدل البطالة بين الأردنيين بمقدار 0.3 نقطة مئوية، ليصل إلى 21% خلال الربع الثاني من عام 2026، موجة واسعة من الجدل على منصات التواصل الاجتماعي، وسط تشكيك لافت من مواطنين تساءلوا عن مدى انعكاس هذه الأرقام على واقع سوق العمل الذي يعيشونه يوميًا.
وبمجرد تداول خبر انخفاض البطالة، امتلأت التعليقات بعبارات السخرية والاستغراب، إذ رأى كثير من المعلقين أن الرقم المعلن لا يعكس، من وجهة نظرهم، حجم الصعوبات التي يواجهها الشباب الأردني في الحصول على فرصة عمل مستقرة، خصوصًا الخريجين والباحثين عن وظائف منذ سنوات.
وعبّر أحد المعلقين عن استغرابه قائلًا: «لا توظيف وزيادة بالخريجين ومع هذا انخفاض بالبطالة! حالة تستاهل الدراسة»، فيما ذهب آخرون إلى التشكيك بصورة مباشرة في دقة المؤشرات الرسمية، معتبرين أن هناك فجوة بين لغة الأرقام وما يصفونه بأنه واقع اقتصادي صعب.
ولم تخلُ التعليقات من انتقادات أكثر حدة، إذ ربط بعض المشاركين انخفاض البطالة بعوامل لا علاقة لها بالتوظيف الحقيقي، فيما لجأ آخرون إلى السخرية من طريقة احتساب المؤشر، في تعليقات عكست حجم انعدام الثقة لدى شريحة من المواطنين تجاه الأرقام المتعلقة بسوق العمل.
وفي المقابل، ظهرت أصوات دعت إلى قراءة الأرقام بعيدًا عن الانطباعات الشخصية، والتفريق بين مفهوم البطالة كما يُقاس إحصائيًا وبين حالة عدم الرضا عن مستوى الدخل أو طبيعة الوظائف المتاحة. فليس كل من لا يعمل في وظيفة حكومية عاطلًا عن العمل، كما أن انخفاض معدل البطالة لا يعني بالضرورة أن جميع الأسر باتت تعيش تحسنًا اقتصاديًا أو أن مشكلة التشغيل قد حُلّت.
وتكشف ردود الفعل الشعبية في جوهرها عن مشكلة أعمق من الرقم ذاته؛ وهي أزمة الثقة بين المؤشرات الاقتصادية الرسمية وبين التجربة اليومية للمواطن. فالمواطن الذي يرى خريجًا يمضي سنوات في البحث عن وظيفة، أو عاملًا يتقاضى دخلًا لا يتناسب مع تكاليف المعيشة، قد لا يرى في انخفاض البطالة بنسبة محدودة تحسنًا ملموسًا، حتى وإن كان المؤشر محسوبًا وفق منهجية إحصائية معتمدة.
كما أعادت التعليقات تسليط الضوء على قضية البطالة بين الشباب، وعلى النقاش المستمر حول قدرة الاقتصاد الأردني على توفير وظائف جديدة تتناسب مع أعداد الداخلين إلى سوق العمل سنويًا. وبرزت كذلك انتقادات تتعلق بطبيعة الوظائف المتاحة، والرواتب، والعمالة الوافدة، وفرص التوظيف في القطاعين العام والخاص.
ومن بين التعليقات التي عكست هذا القلق قول أحد المشاركين إن «الشغال الراتب ما يكفي»، في إشارة إلى أن مشكلة سوق العمل لا تتوقف عند الحصول على وظيفة، وإنما تمتد إلى نوعية الوظيفة والأجر والاستقرار الوظيفي والقدرة على تأمين حياة كريمة.
وفي المقابل، طرح آخرون وجهة نظر مختلفة، معتبرين أن الاقتصاد لا يستطيع استيعاب جميع الباحثين عن العمل في الجهاز الحكومي، وأن الحل يتطلب توسيع قاعدة القطاع الخاص والاستثمار في الزراعة والصناعة والمشروعات الصغيرة والأنشطة الإنتاجية، بدل استمرار انتظار الوظيفة الحكومية.
وبين الرقم الرسمي والقراءة الشعبية، تبدو الصورة أكثر تعقيدًا من مجرد ارتفاع أو انخفاض في مؤشر البطالة. فالمؤشر الإحصائي يقيس حالة محددة وفق تعريفات ومعايير، بينما يقيس المواطن سوق العمل من خلال تجربة البحث عن وظيفة، وقيمة الراتب، وارتفاع الأسعار، والأمان الوظيفي، وفرص الترقي، ومدى تكافؤ الفرص.
ولهذا فإن انخفاض البطالة، إذا تأكدت بياناته رسميًا واستمر خلال الفصول المقبلة، يمثل مؤشرًا اقتصاديًا إيجابيًا من حيث الاتجاه، لكنه لا يكفي وحده للحكم على تحسن سوق العمل أو تحسن الظروف المعيشية للأردنيين. فالاختبار الحقيقي لأي انخفاض في البطالة هو مدى تحوله إلى وظائف منتجة ومستقرة، بأجور مناسبة، وبفرص عادلة أمام الشباب والخريجين.
الجدل الذي فجّره رقم الـ21% لا يعكس بالضرورة رفض الأرقام بقدر ما يعكس حجم القلق المتراكم حول مستقبل العمل في الأردن. وبين من يرى في الانخفاض خبرًا إيجابيًا، ومن يعتبره رقمًا منفصلًا عن الواقع، تبقى الحاجة قائمة إلى شفافية أكبر في شرح مؤشرات سوق العمل، وتقديم تفاصيلها بحسب العمر والجنس والمحافظة والمستوى التعليمي ونوع الوظائف، حتى يستطيع المواطن فهم ما الذي تغيّر فعلًا، وأين حدث هذا التغيير، ومن هي الفئات التي استفادت منه.
فالمواطن لا يبحث فقط عن رقم أقل للبطالة، بل عن اقتصاد قادر على تحويل الأرقام إلى فرص حقيقية، والفرص إلى دخل مستقر، والدخل إلى حياة أكثر أمانًا وكرامة.