تخرّج وأعراس بالقروض .. حين يتحول الفرح إلى دين طويل الأمد

mainThumb
تخرّج وأعراس بالقروض.. حين يتحول الفرح إلى دين طويل الأمد

31-08-2026 03:17 PM

printIcon

أخبار اليوم - تالا الفقيه - لم تعد بعض المناسبات التي يفترض أن تكون لحظات فرح واحتفال تمرّ من دون حسابات مالية دقيقة؛ فمع ارتفاع تكاليف الأعراس وحفلات التخرج، وتزايد متطلبات الاحتفال ومظاهرها، يجد بعض الأردنيين أنفسهم أمام خيار لم يكن حاضرًا في حساباتهم سابقًا: الاقتراض لتمويل يوم واحد، ثم سداد كلفته لأشهر أو سنوات.

من قاعات الأفراح إلى حفلات التخرج، ومن التصوير والملابس إلى الضيافة والموسيقى والهدايا، تتراكم التفاصيل الصغيرة لتشكل فاتورة كبيرة، فيما يدفع ضغط المقارنة الاجتماعية البعض إلى إقامة احتفالات تفوق قدرتهم المالية، خشية أن تبدو المناسبة أقل من مناسبات الآخرين.

وفي الأعراس تحديدًا، لم تعد الكلفة تقتصر على حجز القاعة والطعام؛ فهناك الملابس، والتصوير، والديكور، والموسيقى، وبطاقات الدعوة، وتكاليف تجهيز العروسين، إلى جانب مصاريف أخرى تختلف من أسرة إلى أخرى. ومع ارتفاع سقف التوقعات، قد تتحول ليلة واحدة إلى التزام مالي يمتد بعد انتهاء شهر العسل بسنوات.

أما حفلات التخرج، التي يفترض أن تكون تتويجًا لسنوات من الدراسة والتعب، فقد دخلت هي الأخرى دائرة المنافسة الاجتماعية. ملابس خاصة، جلسات تصوير، قاعات، توزيعات، حفلات جماعية وهدايا، وكلما ارتفع مستوى الاحتفال ارتفعت معه الكلفة، لتصبح لحظة التخرج في بعض الحالات مناسبة تستدعي الاقتراض أو استخدام بطاقات الائتمان أو طلب المساعدة من الأقارب.

المشكلة لا تكمن في الاحتفال بحد ذاته، ولا في رغبة العائلات في إسعاد أبنائها، وإنما في اللحظة التي يصبح فيها الإنفاق على المناسبة أكبر من القدرة الفعلية للأسرة على تحمله. عندها لا يعود السؤال: «كم ستكلف الحفلة؟»، بل «كيف سندفع ثمنها؟».

وتزداد خطورة هذا السلوك عندما يكون مصدر التمويل قرضًا أو التزامًا ائتمانيًا؛ فالمبلغ الذي يُدفع خلال ساعات قد يحتاج صاحبه إلى أشهر طويلة لتسديده، وقد يضاف إليه هامش تمويلي أو فوائد ورسوم، ما يجعل الكلفة النهائية أعلى من قيمة المناسبة نفسها.

ويرى مختصون في الشأن الاقتصادي والاجتماعي أن انتشار ثقافة الاستعراض والمقارنة عبر مواقع التواصل الاجتماعي ساهم في رفع سقف الإنفاق على المناسبات، إذ باتت الصور ومقاطع الفيديو جزءًا من تقييم الاحتفال، وأصبح البعض يقارن تفاصيل عرسه أو تخرجه بما يراه على شاشات الهواتف، متجاهلًا اختلاف القدرات المالية بين الأسر.

وفي هذا السياق، يتحول «المظهر الاجتماعي» إلى ضغط حقيقي؛ فالعائلة قد تشعر بأنها مطالبة بتنظيم احتفال يليق بالمناسبة، والعريس قد يشعر بأن عليه إقامة حفل لا يقل عن حفلات أصدقائه، والأسرة التي لديها خريج قد تجد نفسها أمام سباق غير معلن في الملابس والتصوير والحفلات والهدايا.

والنتيجة أن بعض الأسر قد تبدأ المناسبة بفرحة وتنهيها بجدول أقساط.

ولا تتوقف المشكلة عند قيمة القرض نفسه، إذ قد يتزامن تمويل المناسبة مع التزامات أخرى أكثر أهمية، مثل إيجار المنزل، أو شراء الأثاث، أو مصاريف الدراسة، أو العلاج، أو أقساط السيارات، ما يضع الأسرة تحت ضغط مالي متراكم ويقلص قدرتها على مواجهة أي طارئ مستقبلي.

وهنا تبرز مفارقة لافتة: مناسبة تستمر ساعات، مقابل التزام مالي قد يستمر سنوات.

وفي المقابل، يرى آخرون أن المشكلة ليست في الاقتراض بحد ذاته، وإنما في الاقتراض لتمويل نفقات كمالية لا تتناسب مع الدخل، خصوصًا عندما يكون القرض مخصصًا لمظهر اجتماعي أو مناسبة يمكن تنظيمها بتكاليف أقل. فالاقتراض لتغطية حاجة أساسية يختلف اقتصاديًا عن الاقتراض لإقامة احتفال يفوق الإمكانات.

ومع ذلك، فإن تحميل الأفراد وحدهم مسؤولية هذه الظاهرة يتجاهل جانبًا اجتماعيًا مهمًا؛ فالكثير من العائلات لا تنفق بهذه الطريقة رغبة في الترف، وإنما تحت ضغط العادات والتوقعات الاجتماعية، والخوف من الانتقاد أو المقارنة، والرغبة في عدم الظهور بمظهر أقل من الآخرين.

«ماذا سيقول الناس؟» قد تكون أحيانًا أغلى جملة في المناسبة.

ومع استمرار ارتفاع تكاليف المعيشة، تصبح إعادة التفكير في مفهوم الاحتفال ضرورة أكثر من كونها خيارًا. فالفرح لا يقاس بحجم القاعة، ولا بعدد المدعوين، ولا بقيمة الديكور، كما أن نجاح الخريج لا يرتبط بقيمة حفلة التخرج، ولا ينبغي أن تتحول لحظة يفترض أن تكون بداية مرحلة جديدة إلى عبء مالي يرافق صاحبها في بدايتها.

المعادلة الأكثر عقلانية تبدو بسيطة: احتفل بما تستطيع، لا بما يتوقعه الآخرون منك. ضع ميزانية واضحة قبل الحجز، واحسب الكلفة كاملة، وتجنب الالتزام بقسط شهري لا يتناسب مع دخلك، ولا تجعل مناسبة واحدة سببًا في تأجيل احتياجات أساسية أو تراكم ديون جديدة.

ففي النهاية، لا أحد يتذكر بعد سنوات كم دفعت العائلة مقابل قاعة العرس، أو كم بلغت كلفة حفلة التخرج، لكن صاحب القرض سيتذكر كل شهر موعد القسط.

وبين فرحة تدوم ليلة، ودين قد يبقى سنوات، يبدو أن السؤال الأهم لم يعد كيف نقيم مناسبة «تليق بنا»، بل كيف نحتفل من دون أن ندفع ثمن الفرح من راحة أيامنا المقبلة.