السردية الأردنية: لماذا لا تُبنى بالفزعة؟

mainThumb
السردية الأردنية: لماذا لا تُبنى بالفزعة؟

09-02-2026 12:19 PM

printIcon

صالح الشرّاب العبادي

بقلم وتقديم: صالح الشرّاب العبّادي
من خلال موقع اخبار اليوم المحترم

دعونا نبدأ من النقطة الأكثر حساسية:
السردية الوطنية ليست فزعة، وليست حملة عاطفية، وليست سباقًا على من يقول أكثر أو أعلى.
السردية فعل وعي… لا ردّ فعل.

في كل مرة نشعر أن روايتنا مهددة، نميل إلى الاستنفار السريع:
تصريحات، منشورات، شعارات، حماس لحظي…
لكن الحقيقة غير المريحة هي أن الوعي لا يُبنى بهذه الطريقة،
والسردية التي تُدار بالفزعة تموت بنفس السرعة التي وُلدت بها.

السردية ليست توزيع أدوار، ولا تلقّيًا غير منضبط للروايات.
ليست كل قصة تُروى تصلح أن تكون جزءًا من الذاكرة الوطنية،
وليست كل ذاكرة شخصية قابلة للتحول إلى مرجع عام دون منهج وتدقيق.

وهنا أصل المشكلة:
نحن لا نعاني من نقص في القصص،
بل من غياب الميزان الذي يحدد:
ما الذي يُوثَّق؟
ما الذي يُفسَّر؟
وما الذي يُحترم كذاكرة فردية دون أن يُحمَّل أكثر مما يحتمل؟

السردية الحقيقية تُبنى ببطء،
بهدوء،
وبشجاعة عقلية عالية.

الشجاعة هنا لا تعني الصدام،
ولا تعني فتح الجراح بلا مسؤولية،
بل تعني شيئًا أدق:
الجرأة على الإجابة عن الأسئلة التي ظلت تُطرح لسنوات دون جواب.

لأن أخطر ما في الذاكرة الوطنية ليس الاختلاف،
بل الفراغ.
والفراغ، إن لم نملأه نحن بصدق ومعرفة،
سيُملأ حتمًا بروايات قديمة، أو حديثة، أو مؤدلجة،
وكلها ستتحدث باسمنا… دوننا.

من هنا، يصبح السؤال الحقيقي ليس:
ماذا نقول عن تاريخنا؟
بل: كيف نسمح له أن يُقال؟

الدولة، في أي سردية ناضجة، لا تكتب الذاكرة،
بل تحمي الإطار الذي تُكتب فيه.
والمجتمع لا يُملى عليه ما يتذكر،
بل يُمنح مساحة منظمة ليحكي،
ضمن قواعد،
ومراجعة،
ومسافة نقدية تحمي الحقيقة من التسييس.

وهذا بالضبط جوهر التوجيه الذي طرحه سمو ولي العهد الحسين بن عبدالله الثاني:
امتلاك الرواية… لا الدفاع العصبي عنها.
بناء وعي طويل الأمد… لا إدارة لحظة إعلامية.

السردية التي لا تقبل المراجعة تتحول إلى خطاب،
والخطاب – مهما بدا قويًا – قصير العمر.
أما السردية الصادقة، فهي تلك التي تستطيع أن تعيش بعد عشرين أو ثلاثين عامًا،
وتظل مرجعًا يُستخدم،
لا مادة تُستهلك.

لهذا، نحن بحاجة إلى سردية جريئة، نعم،
لكنها جريئة بالعقل لا بالانفعال،
صادقة لا تجميلية،
وقوية لأنها واضحة، لا لأنها مرتفعة الصوت.

السردية الأردنية التي نحتاجها اليوم
هي سردية تُغلق باب التأويل الفوضوي،
لا عبر القمع،
بل عبر الفهم.

سردية تقول:
هذا ما جرى،
وهكذا فهمناه،
وهذه الأسئلة أجبنا عنها،
وهذه الأسئلة ما زالت مفتوحة… بصدق.

عندها فقط،
لا نكون في حالة دفاع،
بل في حالة وعي.

صالح الشرّاب العبادي