البصمة الكربونية في حياتنا اليومية: قرارات صغيرة… وأثر كبير

mainThumb
البصمة الكربونية في حياتنا اليومية: قرارات صغيرة… وأثر كبير

15-06-2026 02:07 PM

printIcon

د. ماهر سليمان الزيادات
أستاذ مساعد في الاستدامة والابتكار التكنولوجي وريادة الأعمال
المملكة المتحدة
في كلِّ يوم، نعدّ فنجان قهوتنا، ونتناول وجباتنا، ونقود سياراتنا، ونستخدم هواتفنا، ونمضي قدماً في يومنا دون أن نفكّر كثيراً بأن هناك أثراً غير مرئي يتراكم بصمت مع كل خطوة.
نحن جميعاً نعلم أن لكل إنسان بصمة تميّزه عن غيره. لكن هناك أيضاً بصمة أخرى غير مرئية… بصمة بيئية نتركها يومياً دون أن نشعر، تُعرف بـ "البصمة الكربونية"(Carbon Footprint)
في خضمّ الحديث المتزايد عن التغير المناخي والاحتباس الحراري، غالباً ما يُختزل النقاش في مسؤولية المؤسسات الدولية والحكومات والشركات الكبرى. ورغم أن هذه الجهات تتحمّل بالفعل جزءاً كبيراً من المسؤولية، إلا أن هذا الطرح يغفل حقيقة جوهرية مفادها أننا، كأفراد، لسنا خارج المعادلة، بل نحن جزء من المشكلة وجزء من الحل؛ نتأثر ونؤثر سلباً وإيجاباً. وهنا يبرز مفهوم "البصمة الكربونية الفردية".
وقبل أن نغوص في التفاصيل، دعونا نبسّط المفهوم. تُعرَّف البصمة الكربونية للفرد بأنها إجمالي غازات الاحتباس الحراري (Greenhouse Gases – GHGs) التي ينتجها بشكل مباشر أو غير مباشر من خلال نشاطاته اليومية، ويتم قياسها بوحدة طن مكافئ ثاني أكسيد الكربون. (tCO₂e) وبعبارة أبسط، فإن كل ما نفعله يومياً، من استهلاك الكهرباء والمياه إلى التنقل ونوعية الطعام التي نختارها، يتحوّل في النهاية إلى انبعاثات كربونية تؤثر على البيئة.
لكن ماذا يعني "طن واحد" من الكربون فعلياً؟ لفهم حجم هذا الرقم، يمكن تخيّل طن واحد من ثاني أكسيد الكربون (CO₂) بصرياً على شكل كرة يبلغ قطرها نحو 11 متراً، أو مكعّب يصل طول ضلعه إلى أكثر من 8.2 أمتار. أي أننا نتحدث عن حجم ضخم يترك أثراً حقيقياً على كوكبنا. ولكي نقرّب الصورة أكثر، فإن طناً واحداً من الانبعاثات يعادل تقريباً استهلاك ما بين 430 إلى 460 لتراً من الوقود، أو قيادة سيارة لمسافة تتراوح بين 5000 إلى 6000 كيلومتر، أو استهلاك الكهرباء لما يقارب ثلثي منزل لمدة عام كامل. كما يمكن أن يعادل الانبعاثات الناتجة عن رحلة جوية قصيرة لمسافة تقارب 4000 كم لراكب واحد.
ولكي تتضح الصورة بشكل أكبر، لننظر إلى بعض الأمثلة من حياتنا اليومية. فعند النظر إلى ما نأكله، تتضح الصورة أكثر؛ فالوجبات التي تحتوي على اللحوم تنتج انبعاثات أعلى مقارنة بالوجبات النباتية، حيث يعادل طن واحد من الكربون حوالي 138 وجبة قائمة على اللحوم، مقابل ما يقارب 1960 وجبة نباتية. وهذا يوضح كيف أن اختيارنا لنوع الغذاء له أثر مباشر على البيئة. ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل يمتد إلى تفاصيل حياتنا اليومية. فإنتاج كوب واحد من القهوة قد ينتج حوالي 50 غراماً من ثاني أكسيد الكربون، بينما كوب الشاي يقارب 40 غراماً. حتى الفواكه والخضروات ليست خالية تماماً من الأثر؛ فالموزة الواحدة قد تنتج نحو 70 غراماً، والتفاحة حوالي 40 غراماً، والطماطم قد تصل إلى 160 غراماً بحسب سلسلة الإنتاج والنقل. أما طبق الأرز الذي يتكرر على موائدنا، فقد يصل إلى 330 غراماً من الانبعاثات.
وفي تنقلاتنا تتضاعف هذه البصمة. فقطاع النقل يُعدّ من أكبر مصادر الانبعاثات؛ إذ إن قيادة سيارة لمدة 10 دقائق فقط قد تنتج حوالي 560 غراماً من الكربون، في حين أن استخدام وسائل النقل العام لنفس المدة يقلل هذا الرقم بشكل ملحوظ. أما الرحلات الجوية، فهي من الأعلى تأثيراً، حيث يمكن لرحلة واحدة مدتها ساعة وربع أن تنتج نحو 40 كيلوغراماً من ثاني أكسيد الكربون لكل راكب.
وفي منازلنا، تستمر هذه الانبعاثات في التراكم حتى في أبسط الأشياء التي نستخدمها يومياً. فالكيس البلاستيكي الواحد قد ينتج حوالي 33 غراماً من ثاني أكسيد الكربون، وزجاجة المياه البلاستيكية نحو 83 غراماً. بل إن عملية بحث واحدة على الإنترنت (Google Search) قد تنتج نحو 0.2 غرام من الكربون، واستخدام الهاتف المحمول لمدة ساعة واحدة قد يصل إلى 172 غراماً. قد تبدو هذه تفاصيل صغيرة، لكن مع تكرارها تتحوّل إلى أثر كبير.
في الأردن، تُقدَّر الانبعاثات السنوية من ثاني أكسيد الكربون (CO₂) بحوالي 24.14 مليون طن. ورغم أن هذا يمثل نحو 0.06% فقط من إجمالي الانبعاثات العالمية، إلا أن نصيب الفرد يبلغ حوالي 2.29 طن سنوياً. قد يبدو الرقم محدوداً عالمياً، لكنه يعكس نمط حياة واستهلاك يستحق التوقف والتأمل، خصوصاً أن جزءاً كبيراً من هذه الانبعاثات يرتبط مباشرة بخياراتنا اليومية، سواء من خلال استهلاك الكهرباء، أو استخدام وسائل النقل، أو الطلب على المنتجات والخدمات .تخيّل فقط حجم الانبعاثات الناتجة عن مناسبة اجتماعية واحدة، مثل حفل زفاف، من حيث عدد السيارات، واستهلاك الوقود، وكميات الطعام. نحن نتحدث هنا عن أطنان من الكربون.
لكن السؤال الأهم: كم نحتاج من الأشجار لتعويض ذلك؟ تشير التقديرات إلى أن الشجرة الناضجة (بعمر يقارب 10 سنوات) تمتص ما بين 15 إلى 25 كيلوغراماً من ثاني أكسيد الكربون سنوياً. وبناءً على ذلك، فإن تعويض طن واحد من الانبعاثات يتطلب زراعة ما يقارب 40 إلى 60 شجرة، وذلك حسب نوع الشجرة وظروف نموها .
بعد هذه المعطيات، يصبح من الواضح أننا بحاجة إلى إعادة التفكير في نمطنا المعيشي وعاداتنا اليومية. فالبصمة الكربونية ليست مفهوماً نظرياً، بل هي انعكاس مباشر لأسلوب حياتنا. وهذا يعني أن الحل يبدأ من هنا… من نفس القرارات الصغيرة.يمكن ترجمة ذلك إلى ممارسات بسيطة لكنها مؤثرة؛ مثل تقليل استخدام السيارة للمشاوير القصيرة، خاصة في المدن المزدحمة، والاعتماد أكثر على المشي أو مشاركة المركبات. كما أن إعادة النظر في عاداتنا الغذائية، من خلال تقليل استهلاك اللحوم والحد من الهدر في المناسبات، يساهم في خفض الانبعاثات بشكل ملحوظ. وفي منازلنا، يشكّل ترشيد استهلاك الطاقة، كإطفاء الأجهزة غير المستخدمة واختيار الأجهزة الموفّرة، خطوة عملية مهمة. كذلك، فإن تقليل استخدام البلاستيك واستبداله ببدائل مستدامة يعكس وعياً بيئياً متنامياً. ولا يقل أهمية عن ذلك دعم البيئة المحلية، من خلال زراعة الأشجار أو المشاركة في المبادرات البيئية.
التغيير الحقيقي لا يتطلب قرارات كبيرة، بل يبدأ من سلوك فردي بسيط يتكرر يومياً لإحداث فرق ملموس في تقليل الانبعاثات. والاستدامة (Sustainability) بمفهومها الأشمل لا تعني التقشف أو التخلي عن جودة الحياة، بل تعني الاستخدام الواعي والمسؤول للموارد.
وفي النهاية، يبقى السؤال الأهم: ماذا ستغيّر أنت… ابتداءً من اليوم؟ لأن البصمة التي نتركها اليوم هي التي سترسم ملامح البيئة التي سنعيش فيها غداً، ونتركها للأجيال القادمة.