أخبار اليوم - تالا الفقيه - في وقت أصبحت فيه الشهادة الجامعية والدورات التدريبية بوابة رئيسية للحصول على فرصة عمل أو ترقية وظيفية، برزت ظاهرة مقلقة تتمثل في الاتجار بالشهادات الأكاديمية والدورات الوهمية، لتتحول من حالات فردية متفرقة إلى سوق سوداء تستهدف الباحثين عن الوظائف والطامحين إلى تحسين أوضاعهم المهنية، وسط جدل واسع بين من يراها جريمة تهدد مستقبل التعليم وسوق العمل، ومن يعتبرها نتيجة مباشرة لارتفاع معدلات البطالة وصعوبة الحصول على فرص حقيقية للتأهيل.
ويؤكد مواطنون أن انتشار الإعلانات عبر مواقع التواصل الاجتماعي التي تروج لشهادات جامعية أو دبلومات أو دورات احترافية "مضمونة" خلال أيام مقابل مبالغ مالية، أصبح يثير القلق، خاصة مع استخدام أسماء مؤسسات تعليمية ومراكز تدريب تبدو للوهلة الأولى رسمية وموثوقة، قبل أن يتبين لاحقاً أنها لا تمتلك أي اعتماد أكاديمي أو مهني.
أحد الباحثين عن عمل يقول إن الضغوط الاقتصادية دفعت كثيرين إلى البحث عن أي وسيلة تمنحهم فرصة المنافسة في سوق العمل، مشيراً إلى أن بعض الشباب يقعون ضحية وعود بالحصول على شهادات معترف بها دولياً، ليفاجؤوا لاحقاً بأنها مجرد أوراق لا قيمة لها. ويضيف أن الخاسر في النهاية ليس فقط من دفع المال، بل أيضاً المؤسسات التي قد توظف أشخاصاً يفتقرون إلى الكفاءة الحقيقية.
في المقابل، يرى آخرون أن المسؤولية لا تقع على المشترين وحدهم، بل تمتد إلى الجهات التي تسمح بانتشار هذه الإعلانات دون رقابة كافية، مؤكدين أن غياب التوعية وضعف الرقابة على مراكز التدريب الوهمية أسهما في اتساع الظاهرة، حتى أصبحت بعض الصفحات الإلكترونية تعرض "باقات" من الشهادات في تخصصات مختلفة بأسعار متفاوتة، مع إمكانية إصدارها خلال ساعات.
ويشير مراقبون إلى أن هذه التجارة لا تستهدف الأفراد فقط، بل تضرب أسس العدالة في سوق العمل، إذ يجد أصحاب الكفاءات أنفسهم في منافسة غير عادلة مع أشخاص حصلوا على مؤهلات مزيفة، الأمر الذي ينعكس سلباً على جودة الأداء في المؤسسات ويقوض الثقة في قيمة الشهادات الأكاديمية والمهنية.
ويرى مختصون في شؤون التعليم أن خطورة الظاهرة تتجاوز الجانب المالي، لأنها تمس سمعة المؤسسات التعليمية وتضعف ثقة المجتمع بالمؤهلات العلمية، موضحين أن الشهادة ليست مجرد ورقة، بل حصيلة سنوات من الدراسة والتدريب والاختبارات، وأن منحها دون استحقاق يمثل انتهاكاً لقيم التعليم ويضر بمصداقية النظام الأكاديمي بأكمله.
ويحذر خبراء في الموارد البشرية من أن الاعتماد على الشهادات الوهمية قد يؤدي إلى تعيين أشخاص غير مؤهلين في وظائف تتطلب مهارات دقيقة، وهو ما قد ينعكس على جودة الخدمات والإنتاجية، بل وقد يشكل خطراً في بعض المهن الحساسة كالرعاية الصحية أو الهندسة أو التعليم.
في المقابل، يطرح البعض رؤية مختلفة، معتبرين أن التركيز المفرط على الشهادات هو ما أوجد هذا السوق من الأساس. ويقول أحد الموظفين إن كثيراً من أصحاب الخبرة العملية لا يحصلون على فرص مناسبة بسبب عدم امتلاكهم شهادات إضافية، بينما يتم تفضيل من يحملون أوراقاً أكثر حتى وإن كانت خبراتهم محدودة، ما يدفع البعض إلى البحث عن طرق مختصرة لمواكبة متطلبات التوظيف.
ويؤكد آخرون أن المشكلة تكمن أيضاً في الانتشار الواسع للدورات التدريبية التجارية التي تقدم محتوى محدوداً مقابل رسوم مرتفعة، ثم تمنح المتدرب شهادة توحي بأنه أصبح خبيراً في مجال معين، رغم أن الساعات التدريبية الفعلية قد لا تكون كافية لاكتساب المهارات المطلوبة.
من جهتهم، يدعو مختصون إلى التفريق بين الدورات التدريبية المعتمدة التي تقدمها مؤسسات مرخصة وتلتزم بمعايير واضحة، وبين الدورات الوهمية التي تعتمد على التسويق أكثر من اعتمادها على المحتوى العلمي، مؤكدين أن المشكلة ليست في التدريب نفسه، بل في غياب الرقابة على بعض الجهات التي تستغل حاجة الناس إلى تطوير سيرهم الذاتية.
ويرى مراقبون أن مواجهة الظاهرة تتطلب تعاوناً بين الجهات التعليمية والرقابية وأصحاب العمل، من خلال تشديد إجراءات التحقق من المؤهلات، وإطلاق منصات إلكترونية تمكن المؤسسات من التأكد من صحة الشهادات، إلى جانب فرض عقوبات رادعة بحق الجهات والأفراد المتورطين في التزوير أو الترويج للمؤهلات الوهمية.
كما يشدد أكاديميون على أهمية نشر ثقافة التعلم الحقيقي، بحيث يصبح اكتساب المهارة والخبرة هو المعيار الأساسي، وليس مجرد الحصول على شهادة تعلق على الجدار أو تضاف إلى السيرة الذاتية، مؤكدين أن التطور المهني المستدام لا يتحقق بالطرق المختصرة، وإنما بالمعرفة والممارسة المستمرة.
وبين من يعتبر تجارة الشهادات والدورات الوهمية جريمة تستوجب الحزم، ومن يراها انعكاساً لاختلالات أعمق في سوق العمل ومنظومة التعليم، تبقى الحقيقة أن هذه الظاهرة تطرح أسئلة جوهرية حول قيمة المؤهل العلمي، وآليات التوظيف، ومدى قدرة المؤسسات على التمييز بين الكفاءة الحقيقية والمظاهر الورقية، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى بناء منظومة تعليمية ومهنية تقوم على الجدارة والشفافية، لا على تجارة الأحلام واستغلال طموحات الباحثين عن مستقبل أفضل.