"اللافتات الكاذبة" .. بين إغراء المستهلك وحدود الرقابة

mainThumb
"اللافتات الكاذبة".. بين إغراء المستهلك وحدود الرقابة

29-06-2026 03:04 PM

printIcon

أخبار اليوم - تالا الفقيه - في الأسواق والمتاجر، وعلى واجهات المحال التجارية، وفي الإعلانات المنتشرة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، تتكرر عبارات لافتة مثل "خصومات تصل إلى 70%"، و"الأفضل في السوق"، و"رقم 1"، و"طبيعي 100%"، في مشهد بات مألوفاً للمستهلكين، لكنه يثير في المقابل تساؤلات متزايدة حول مدى صحة هذه الادعاءات، والجهات المسؤولة عن التحقق منها، وما إذا كانت تمثل أساليب تسويقية مشروعة أم ممارسات قد تضلل المستهلك وتؤثر في قراراته الشرائية.

ويقول مواطنون إنهم اعتادوا مشاهدة لافتات تعلن عن تخفيضات كبيرة على مدار العام، حتى بات من الصعب التمييز بين الخصومات الحقيقية والعروض التسويقية التي تهدف إلى جذب الزبائن فقط. ويؤكد أحد المتسوقين أن كثيراً من المتاجر ترفع الأسعار قبل الإعلان عن التخفيضات، ثم تعيدها إلى مستوياتها السابقة مع الإبقاء على عبارة "خصم 70%"، ما يجعل المستهلك يعتقد أنه حصل على صفقة استثنائية، بينما الواقع قد يكون مختلفاً تماماً.

وتقول سيدة اعتادت التسوق عبر المتاجر الإلكترونية إنها اشترت أكثر من منتج حمل عبارة "طبيعي 100%"، لكنها اكتشفت بعد قراءة المكونات أن المنتج يحتوي على مواد صناعية أو إضافات لم تكن تتوقعها، معتبرة أن استخدام مثل هذه العبارات دون توضيح أو إثبات يوقع المستهلك في حالة من التضليل.

في المقابل، يرى بعض أصحاب المحال التجارية أن استخدام العبارات الترويجية أصبح جزءاً من المنافسة التجارية، وأن المستهلك اليوم أكثر وعياً من السابق وقادر على المقارنة بين الأسعار والجودة قبل اتخاذ قرار الشراء. ويؤكد أحد التجار أن بعض العبارات مثل "الأفضل" أو "الأكثر مبيعاً" تدخل في إطار التسويق ولا يقصد بها دائماً تقديم حقائق علمية أو إحصائية، وإنما تهدف إلى جذب الانتباه في سوق يشهد منافسة شديدة.

لكن مراقبين يشيرون إلى أن المشكلة لا تكمن في الإعلان بحد ذاته، وإنما في غياب الأدلة التي تدعم بعض الادعاءات، موضحين أن عبارات مثل "رقم 1" أو "الأفضل" أو "الأسرع" أو "الأكثر فعالية" تحتاج إلى معايير واضحة ودراسات موثقة إذا أريد استخدامها على أنها حقائق، وليس مجرد شعارات دعائية.

ويرى مختصون في حماية المستهلك أن بعض الشركات تستغل ثقة الجمهور في العبارات المطلقة، خاصة عندما يتعلق الأمر بالمنتجات الغذائية أو الصحية أو التجميلية، مؤكدين أن استخدام أوصاف مثل "طبيعي 100%" أو "خالٍ تماماً من المواد الكيميائية" قد يمنح المستهلك انطباعات غير دقيقة إذا لم تكن مدعومة بفحوصات واعتمادات رسمية.

ويؤكد خبراء في التسويق أن الإعلان الناجح يقوم على جذب الانتباه، لكنه في الوقت نفسه يجب أن يحافظ على المصداقية، لأن المبالغة في الوعود قد تحقق مكاسب قصيرة الأجل، لكنها تؤدي مع مرور الوقت إلى فقدان ثقة المستهلك، وهو ما ينعكس سلباً على سمعة العلامة التجارية والسوق بأكمله.

وفي المقابل، يرى بعض العاملين في القطاع التجاري أن تشديد القيود على العبارات الإعلانية قد يحد من حرية التسويق والإبداع، معتبرين أن المستهلك يتحمل أيضاً جزءاً من المسؤولية من خلال مقارنة الأسعار وقراءة تفاصيل المنتجات وعدم الاكتفاء بالعناوين الكبيرة أو اللافتات البراقة.

ويشير مختصون في القانون إلى أن كثيراً من التشريعات الخاصة بحماية المستهلك تجرّم الإعلانات المضللة، لكنها تشدد على ضرورة وجود أدلة تثبت أن الإعلان تضمن معلومات غير صحيحة أو أخفى معلومات جوهرية أثرت في قرار الشراء، وهو ما يجعل عملية الرقابة بحاجة إلى متابعة مستمرة وآليات تحقق فعالة.

ويطالب مواطنون بتكثيف الرقابة على العروض التجارية والإعلانات، خاصة خلال مواسم التخفيضات، مع إلزام الشركات والمتاجر بالإفصاح عن الأسعار الأصلية قبل الخصومات، وتقديم ما يثبت صحة الادعاءات التي تستخدم في حملاتها الترويجية، بما يعزز ثقة المستهلك ويحفظ حقوق جميع الأطراف.

كما يدعو مختصون إلى رفع مستوى الوعي لدى المستهلكين، مؤكدين أن أفضل وسيلة لمواجهة الإعلانات المضللة تتمثل في المقارنة بين الأسعار، وقراءة البيانات المكتوبة على المنتجات، وعدم الانسياق وراء العبارات التسويقية الجذابة دون التحقق من مضمونها.

وبين من يعتبر اللافتات الترويجية وسيلة مشروعة للمنافسة التجارية، ومن يراها باباً مفتوحاً أمام التضليل واستغلال المستهلك، يبقى السؤال قائماً: إلى أي مدى يمكن الوثوق بعبارات مثل "خصم 70%" أو "الأفضل" أو "رقم 1" أو "طبيعي 100%"؟ وهل تكفي الرقابة الحالية لضمان أن ما يقرأه المستهلك على اللافتة يعكس حقيقة المنتج أو الخدمة، أم أن الحاجة باتت ملحة إلى معايير أكثر صرامة توازن بين حرية التسويق وحق المستهلك في الحصول على معلومات دقيقة وواضحة قبل اتخاذ قرار الشراء؟