الحكومة تُبدّل الكراسي .. والشارع يسأل: أين التغيير؟

mainThumb
الحكومة تُبدّل الكراسي.. والشارع يسأل: أين التغيير؟

11-08-2026 03:09 PM

printIcon

أخبار اليوم - تالا الفقيه - لم يكن الجدل الذي رافق التعديل الوزاري الأخير مجرد نقاش حول أسماء خرجت وأخرى دخلت، أو حقائب تبدلت مواقعها داخل الفريق الحكومي، فالمسألة في نظر قطاعات واسعة من الشارع الأردني تبدو أعمق من ذلك بكثير. إنها تتعلق بالسؤال الأكثر إلحاحاً: هل تصل أصوات الناس فعلاً إلى مراكز القرار، أم أن المواطن لا يُستدعى إلا عندما يحين موعد دفع الضرائب والرسوم وتحمل أعباء السياسات والقرارات؟

التعديل الوزاري يفترض، في جوهره السياسي، أن يكون رسالة واضحة بأن الحكومة راجعت أداءها، وقرأت ملاحظات الشارع، وقيّمت أداء وزرائها، ثم اتخذت قرارات تصحيحية تفرضها المصلحة العامة. لكن عندما تأتي التعديلات على شكل مناقلات وتبديلات داخلية، من دون أن يشعر المواطن بأن هناك تغييراً حقيقياً في النهج أو الأداء أو الأولويات، يصبح من حقه أن يسأل: ما الذي تغير فعلاً؟ وهل تغيرت السياسات أم تغيرت المقاعد فقط؟

المشكلة اليوم ليست في أسماء الوزراء بقدر ما هي في الصورة التي وصلت إلى المواطن. هناك انطباع يتسع بأن التعديل لم يكن بحجم الاستياء الشعبي المتراكم من أداء بعض الوزراء والملفات التي يديرونها، وأن الرسائل التي خرجت من الشارع، سواء عبر وسائل التواصل الاجتماعي أو النقاش العام، لم تجد طريقها إلى القرار السياسي بالقدر الذي كان ينتظره الناس.

وهنا تحديداً تتسع فجوة الثقة.

فالمواطن الذي يواجه أعباء معيشية متزايدة، ويبحث عن فرصة عمل، ويشاهد ارتفاع كلفة الحياة، لا يعنيه كثيراً أن تنتقل حقيبة من وزير إلى آخر إذا بقيت السياسات ذاتها، وبقيت الملفات العالقة على حالها، وبقيت النتائج دون مستوى التوقعات.

الناس لا تنتظر تغيير الكراسي بقدر ما تنتظر تغييراً في الأداء.

والأكثر خطورة أن حالة الإحباط لا تتوقف عند حدود الحكومة، بل بدأت تمتد إلى صورة العملية السياسية نفسها. فحين يصل المواطن إلى قناعة بأن رأيه لا يغير شيئاً، وأن التعديل الوزاري لا يرتبط بما يراه من أداء أو إخفاق، وأن القرارات تُتخذ بعيداً عن المزاج العام، فإن المشكلة تصبح أكبر من حكومة وأكبر من تعديل.

عندها يصبح السؤال مؤلماً: لماذا يطالب المواطن بالصبر والثقة، إذا كان يشعر أن صوته لا يُسمع إلا في المناسبات، وأن رأيه لا يدخل فعلياً في معادلة اتخاذ القرار؟

لا أحد يقول إن الحكومة مطالبة بتنفيذ كل ما يريده الشارع، فإدارة الدولة ليست استفتاءً يومياً، والحكم الرشيد لا يقوم على الاستجابة لكل موجة غضب أو لكل مطلب عابر. لكن بين الاستجابة لكل شيء وتجاهل كل شيء مساحة واسعة اسمها الإنصات، والتفسير، والمصارحة، والمساءلة.

المواطن يريد أن يعرف لماذا بقي وزير، ولماذا غادر آخر، ولماذا انتقل ثالث، وما المعيار الذي حُكم من خلاله على الأداء. يريد أن يرى نتائج حقيقية لا مجرد تغيير في المواقع. يريد أن يشعر أن المسؤول الذي أخفق يمكن أن يُحاسب، وأن المسؤول الذي نجح يمكن أن يستمر، وأن معيار البقاء والمغادرة هو المصلحة العامة لا الحسابات الأخرى.

فالحكومة القوية ليست التي تستطيع إجراء تعديل وزاري دون ضجيج، وإنما التي تستطيع إقناع الناس بأن التعديل جاء استجابة لحاجة وطنية حقيقية، وأن وراءه رؤية واضحة لتحسين الأداء وتصحيح الاختلالات.

أما أن يبقى المواطن أمام المشهد ذاته، والملفات ذاتها، والأسئلة ذاتها، ثم يُطلب منه أن يعتبر تغيير بعض المواقع تحولاً كبيراً، فهذا لن ينجح في إقناع شارع بات أكثر قدرة على قراءة التفاصيل وأكثر جرأة في التعبير عن غضبه وأسئلته.

والأردن اليوم لا يحتاج فقط إلى الحفاظ على الاستقرار، بل يحتاج أيضاً إلى حماية الثقة التي تشكل أحد أهم عناصر هذا الاستقرار. فالاستقرار لا يعني غياب الأصوات الناقدة، ولا يعني أن يصمت الناس، بل يعني أن يشعر المواطن بأن هناك مؤسسات تسمعه، وأن هناك مسؤولين يخضعون للتقييم، وأن هناك آليات حقيقية لتصحيح الأخطاء.

أما تجاهل المزاج الشعبي، أو التعامل مع حالة الاستياء باعتبارها مجرد ضجيج على وسائل التواصل الاجتماعي، فهو خطأ سياسي لا ينبغي الاستهانة به. فالشارع قد يختلف في التفاصيل، لكنه عندما يتفق على الشعور بالتهميش وفقدان التأثير، فإن الرسالة تصبح أكبر من التعليقات وأقوى من المنشورات.

المواطن لا يريد حكومة ترضيه بالكلام، ولا يريد وزراء ينجحون في إدارة صورتهم الإعلامية فقط. يريد حكومة يشعر معها أن الدولة تتحرك من أجله، وأن القرارات التي تمس حياته اليومية تُتخذ بعقلية المسؤولية لا بعقلية إدارة الأزمة.

وفي النهاية، لا تُبنى الثقة بالمناقلات، ولا بتغيير المواقع، ولا بالبيانات الرسمية وحدها.

الثقة تُبنى عندما يرى المواطن أثراً لصوته، وعدالة في تقييم المسؤولين، ومحاسبة حقيقية على التقصير، ونتائج ملموسة على الأرض.

وإذا كان التعديل الوزاري لا يغير شيئاً في حياة الناس، ولا يعالج أسباب الاستياء، ولا يجيب عن الأسئلة المتراكمة، فمن الطبيعي أن ينظر إليه الشارع باعتباره مجرد إعادة ترتيب للمشهد نفسه.