أخبار اليوم – تالا الفقيه
مع اقتراب شهر رمضان المبارك، يعود المشهد ذاته إلى الواجهة: الحديث عن الفقراء، والأسر المحتاجة، والعائلات المستورة، ويترافق معه موسم توزيع “طرود الخير”. مشهد اعتاده الناس حتى بات جزءًا من طقوس الشهر، لكنه في كل عام يثير أسئلة أعمق من مجرد النوايا الحسنة.
مواطنون يرون أن طرد الخير، بصيغته المتكررة، لم يعد استجابة حقيقية لاحتياجات الناس، بل تحوّل إلى قالب جاهز يفرض على الأسر ماذا تأكل، وكأن الفقر له قائمة واحدة لا تتغير. تونة، زيت، شعيرية، معكرونة، علب فول وحمص، وربما علبتا حلاوة… محتويات متشابهة تُوزَّع على أسر تختلف ظروفها، وأعداد أفرادها، وأذواقها، وحاجاتها اليومية.
عائلات مستورة تحدثت عن شعور بالحرج أكثر من الشعور بالامتنان. ليس لأن العطاء مرفوض، بل لأن الطرد يأتي أحيانًا بما لا تحتاجه الأسرة، أو بما يتكرر لديها، أو بما لا يتناسب مع طبيعة معيشتها. بعضهم يقول إن المشكلة ليست في القليل أو الكثير، بل في الفكرة نفسها: لماذا يُفرض على الأسرة ماذا تأكل؟ ولماذا لا تُمنح حق الاختيار؟
مراقبون اجتماعيون يرون أن ما يحدث يعكس فهمًا قاصرًا لفكرة التكافل، حيث يتحول العطاء من فعل يحفظ الكرامة إلى إجراء شكلي موسمي. ويشيرون إلى أن تكرار الطرود المتماثلة يختزل الفقر في صورة نمطية، ويُبعد النقاش عن جذور المشكلة الاقتصادية والاجتماعية، نحو حلول مؤقتة لا تغيّر شيئًا في واقع الناس.
مختصون في الشأنين الديني والاقتصادي يؤكدون أن الزكاة والصدقة في أصلها مال، وأن النصوص الدينية لم تحصر العطاء في الطعام، بل ربطته بالإنفاق مما يحب الإنسان وبما يحقق العدالة ويحفظ كرامة المحتاج. ويشيرون إلى أن الدعم النقدي، حتى وإن كان محدودًا، يمنح الأسرة حرية القرار، ويعيد لها إحساسها بالإنسانية والاختيار، بدل أن تكون متلقية لما يراه الآخرون مناسبًا لها.
في المقابل، يبرر بعض القائمين على حملات الخير هذا الأسلوب بكثرة عدد الأسر المحتاجة، وصعوبة تلبية جميع الاحتياجات. غير أن مواطنين يردون بأن هذا التبرير نفسه يطرح سؤالًا منطقيًا: إذا كان العدد كبيرًا، أليس الأولى اعتماد آلية دعم مرنة تتيح لكل أسرة أن تشتري ما تحتاجه فعلًا؟
وتتقاطع آراء كثيرين عند نقطة أساسية: المشكلة ليست في العطاء، بل في شكله وفلسفته. رمضان لا يُفترض أن يكون موسم تصريف فائض أو تبريرًا للحد الأدنى، بل مناسبة لإعادة التفكير في معنى التكافل والعدالة الاجتماعية. أن يكون العطاء متنوعًا، يحفظ الكرامة، ويعترف بأن الأسر المحتاجة ليست نسخة واحدة.
يبقى السؤال مفتوحًا مع كل رمضان: هل نريد أن نُطعم الأسر المحتاجة مما نقرره نحن، أم أن نصل إلى مرحلة تأكل فيها مما تشتهي، لا مما يُفرض عليها؟ هذا السؤال، كما يقول مواطنون ومراقبون ومختصون، هو جوهر النقاش الذي يستحق أن يُطرح، بعيدًا عن الصور والكرتون، وقريبًا من الإنسان وكرامته.