مواطنون يتساءلون: كيف تطالبون بالتعليم عن بُعد والأطفال يلعبون "بالخريس" في الأحياء والشوارع؟

mainThumb
مواطنون يتساءلون: كيف تطالبون بالتعليم عن بُعد والأطفال يلعبون "بالسلكة" في الأحياء والشوارع؟

05-03-2026 04:47 PM

printIcon

أخبار اليوم - كلما ارتفعت حرارة الإقليم أو زادت التحذيرات الأمنية، يعود مصطلح “التعليم عن بُعد” إلى الطاولة كأنه زرّ طوارئ جاهز للضغط. غير أن النقاش هذه المرة لم يعد يدور حول الفكرة بوصفها إجراءً احترازيًا فقط، بل حول ثمنها الحقيقي على الطلبة والأهالي، وخاصة بعد تجربة الجائحة التي يقول كثيرون إنها تركت ندوبًا تعليمية ونفسية ما زالت واضحة حتى اليوم.

في أحاديث مواطنين، يبرز اعتراض مباشر: التعليم عن بُعد في نظرهم “ابتعاد عن التعليم” أكثر منه انتقالًا إلى صيغة جديدة. يلفتون إلى أن الطفل حين يكون أمام شاشة في بيت مزدحم، أو إنترنت متقطع، أو هاتف واحد لعدة أبناء، فإن ما يحصل عمليًا يكون مجرد “تسجيل حضور” لا تعلّم. ويستعيدون ما جرى في سنوات الجائحة: دروس كثيرة بلا تفاعل، امتحانات بلا ضبط، فجوات تراكمت في القراءة والرياضيات، وأجيال صارت تمشي إلى الصفوف التالية وهي تحمل نقصًا حقيقيًا في الأساسيات.

ربّات بيوت يتحدثن بحدّة أكبر عن الجانب اليومي الذي لا يظهر في القرارات. تقول إحداهن إن البيت لا يتحول فجأة إلى مدرسة بمجرد إعلان التعليم عن بُعد، فالطفل يحتاج متابعة لصيقة، خصوصًا في المراحل التأسيسية، والأم العاملة لا تستطيع أن تكون في وظيفتها وفي الوقت نفسه “معلّمة” لثلاثة أو أربعة أبناء. وتضيف أخرى أن المشكلة لا تقف عند الوقت فقط، بل عند القدرة: “من أين نأتي بأجهزة لوحية ولابتوبات لأكثر من طالب في البيت؟” ثم يأتي سؤال آخر يكرره أكثر من صوت: من سيتابع أبناء الممرضة أو العسكرية أو الموظفة التي تخرج صباحًا ولا تملك خيار البقاء في المنزل؟

وفي وجهٍ آخر للنقاش، يطرح مواطنون تناقضًا يعتبرونه جوهر الحكاية: إذا كان الدافع أمنيًا، فكيف يصبح التعليم عن بُعد حلًا بينما الأطفال – كما يقولون – يقضون ساعات طويلة في الشوارع والأحياء يلعبون ويختلطون، وبعضهم يلهو “بالخريس” ويعود للبيت متأخرًا؟ هنا يتساءلون: ما معنى أن نُغلق باب المدرسة ونعيد الطلاب إلى بيئة أقل انضباطًا وأضعف رقابة؟ بالنسبة لهم، المدرسة ليست فقط مكانًا للدراسة، بل مكان يضبط اليوم ويقلل الفوضى ويمنح روتينًا يخفف التوتر.

مختصون تربويون ونفسيون – بحسب ما يرد في النقاش العام – يضعون يدهم على نقطة حساسة: التعليم يحتاج حدًا أدنى من الاستقرار النفسي، والضغط والقلق لا يصنعان تعلّمًا متماسكًا. ويضيفون أن المدرسة تؤدي دورًا اجتماعيًا لا تعوضه الشاشة؛ فهي مساحة تفاعل، ونظام، ومراقبة تربوية، وأحيانًا “شبكة أمان” للطفل. لذلك فإن نقل التعليم إلى البيت قد يزيد العزلة ويضاعف الفجوة بين من يملك أدوات التعليم ومن لا يملكها، فتتحول الأزمة إلى ظلم تعليمي صامت يطال أبناء الأسر الأقل قدرة.

وفي المقابل، ثمّة رأي آخر يحاول الدفاع عن التعليم عن بُعد بوصفه إجراءً مؤقتًا حين تكون المخاطر مرتفعة، معتبرًا أن سلامة الطلبة تتقدم على كل شيء، وأن التجربة يمكن تحسينها إذا كانت قصيرة ومحددة وترافقها حلول واقعية مثل تخفيف الأعباء، وضبط الدروس، وإجراءات تعويض لاحقة. لكن حتى أصحاب هذا الرأي يعترفون أن تطبيق التعليم عن بُعد دون بنية واضحة أو دون عدالة في الوصول للأجهزة والإنترنت يخلق أزمة أكبر من الأزمة التي يحاول حلّها.

وسط هذا الجدل، تتقاطع أسئلة الناس عند نقطة واحدة: هل نريد فعلاً حماية الطلبة، أم فقط البحث عن حل سريع يخفف الضغط عن المؤسسات؟ وهل المشكلة في “التعليم عن بُعد” نفسه، أم في تكرار تطبيقه دون شروط نجاحه؟ ثم السؤال الأشد إزعاجًا: إذا كانت المدارس ستُغلق بحجة السلامة، فما الخطة التي تمنع الأطفال من تحويل الشوارع إلى “بديل مفتوح” يلعبون فيه بلا رقابة، وبلا روتين، وبلا معنى؟