أخبار اليوم – راشد النسور
في الوقت الذي يشكل فيه عقد العمل الضمانة الأساسية لتنظيم العلاقة بين العامل وصاحب العمل، ما يزال آلاف العاملين في الأردن يباشرون أعمالهم دون توقيع أي عقد رسمي، في واقع يضعهم أمام تحديات قانونية ومعيشية، ويجعل مستقبلهم الوظيفي مرتبطاً بقرار قد يصدر في أي لحظة. وبين الحاجة إلى مصدر دخل والخوف من فقدان الوظيفة، يجد كثيرون أنفسهم مضطرين إلى قبول هذا الواقع رغم ما يحمله من مخاطر على حقوقهم واستقرارهم المهني.
ويقول أحد العاملين في القطاع الخاص إنه التحق بعمله منذ أكثر من ثلاث سنوات دون توقيع عقد، موضحاً أنه يعتمد على اتفاق شفهي مع صاحب العمل، الأمر الذي يجعله يشعر بعدم الأمان في كل مرة يسمع فيها عن تقليص للموظفين أو إعادة هيكلة داخل المنشأة. وأضاف أنه لا يعرف ما إذا كان سيحصل على مستحقاته كاملة في حال انتهاء عمله، مؤكداً أن حاجته إلى الوظيفة منعته من المطالبة بعقد منذ اليوم الأول.
ويؤكد عامل آخر أن العمل دون عقد أصبح أمراً معتاداً في بعض القطاعات، مشيراً إلى أن كثيراً من الموظفين يفضلون الاستمرار في العمل بصمت خوفاً من استبدالهم بآخرين يبحثون عن فرصة عمل. وأضاف أن عدداً من العاملين يتجنبون حتى المطالبة بالإجازات أو الاعتراض على ساعات العمل الإضافية، خشية أن يكون ذلك سبباً في إنهاء خدماتهم.
ويرى مواطنون أن غياب العقود ينعكس بصورة مباشرة على شعور العامل بالاستقرار، فالموظف الذي لا يمتلك وثيقة تثبت حقوقه يعيش حالة من القلق الدائم، سواء فيما يتعلق بالأجر أو الإجازات أو مكافأة نهاية الخدمة أو حتى إثبات سنوات الخبرة التي قد يحتاجها عند الانتقال إلى وظيفة أخرى.
ويشير عدد من العاملين إلى أن المشكلة لا تكمن فقط في عدم وجود عقد، بل في قبول بعضهم بشروط عمل غير واضحة منذ البداية، وهو ما يؤدي لاحقاً إلى خلافات حول الراتب أو طبيعة المهام أو ساعات العمل، دون وجود مرجعية مكتوبة يمكن العودة إليها لحسم أي نزاع.
ويؤكد أحد المختصين في شؤون العمل أن عقد العمل يعد الركيزة الأساسية لأي علاقة مهنية، لأنه يحدد الحقوق والواجبات ويلزم الطرفين بما تم الاتفاق عليه، مبيناً أن غيابه يزيد من احتمالية وقوع النزاعات ويجعل إثبات الحقوق أكثر تعقيداً، خاصة إذا لم تتوافر أي وثائق أو بينات أخرى.
ويضيف مختص في قانون العمل أن التشريعات الأردنية نظمت العلاقة بين العامل وصاحب العمل بصورة واضحة، إلا أن التطبيق العملي لا يزال يواجه تحديات في بعض القطاعات، مؤكداً أن نشر الوعي القانوني بين العاملين لا يقل أهمية عن تكثيف الرقابة على المنشآت لضمان الالتزام بأحكام القانون.
ويشير مختصون إلى أن الاستقرار الوظيفي لا يقتصر على استمرار العامل في وظيفته، بل يرتبط أيضاً بشعوره بأن حقوقه محفوظة، وأن هناك مرجعية قانونية يمكن اللجوء إليها عند حدوث أي خلاف، الأمر الذي ينعكس إيجاباً على الإنتاجية وبيئة العمل وثقة العامل بمكان عمله.
ويطالب مواطنون بتشديد الرقابة على المنشآت التي تشغل موظفين دون عقود، وتفعيل حملات توعوية توضح للعاملين حقوقهم القانونية، مع توفير آليات آمنة تتيح لهم تقديم الشكاوى دون الخوف من فقدان مصدر رزقهم، مؤكدين أن حماية العامل تعني في الوقت ذاته حماية سوق العمل وتعزيز تنافسيته.
ويرى مراقبون أن استمرار هذه الظاهرة يفرض تحديات تتجاوز العامل وصاحب العمل، إذ يمتد أثرها إلى استقرار سوق العمل والاقتصاد بشكل عام، في وقت تتطلب فيه المرحلة الحالية تعزيز بيئة عمل قائمة على الوضوح والالتزام والعدالة، بما يضمن حقوق جميع الأطراف ويعزز الثقة في العلاقة التعاقدية.
ويبقى السؤال مطروحاً حول مدى الحاجة إلى مزيد من التوعية والرقابة لضمان عدم تحول العمل دون عقود إلى واقع دائم في بعض القطاعات، خاصة مع تزايد المطالب بتوفير بيئة عمل آمنة تحفظ كرامة العامل وتصون حقوقه، وتحقق في الوقت نفسه التوازن بين مصالح العامل وصاحب العمل.