أخبار اليوم – ساره الرفاعي
في الوقت الذي تشهد فيه العديد من المهن الحرفية طلباً متزايداً وارتفاعاً في الأجور، ما تزال هذه المهن تعاني من عزوف شريحة واسعة من الشباب الأردني عن الالتحاق بها، وسط تساؤلات حول الأسباب التي تدفع كثيرين إلى انتظار وظيفة مكتبية براتب محدود، بدلاً من ممارسة مهنة قد تحقق لهم دخلاً أعلى وفرصاً أكبر للاستقرار المهني.
ويقول أحد الحرفيين إنه يعمل في مهنة فنية منذ سنوات، مؤكداً أن الطلب على خدماته مستمر على مدار العام، إلا أنه يواجه صعوبة في العثور على شباب يرغبون في تعلم المهنة أو الاستمرار فيها. ويضيف أن كثيراً ممن يلتحقون بها يتركونها بعد فترة قصيرة، رغم أن دخلها قد يفوق رواتب العديد من الوظائف الأخرى.
ويؤكد حرفي آخر أن عدداً كبيراً من أصحاب الورش يبحثون باستمرار عن عمال مهرة ومتدربين، لكن الإقبال ما يزال محدوداً، موضحاً أن بعض الشباب يفضلون البقاء لفترات طويلة بانتظار وظيفة حكومية أو مكتبية، حتى وإن كان دخلها أقل من دخل المهن الحرفية.
ويشير عدد من المواطنين إلى أن النظرة المجتمعية ما تزال تلعب دوراً كبيراً في عزوف الشباب عن هذه المهن، إذ يربط البعض النجاح بالعمل المكتبي فقط، بينما ينظر إلى المهن الحرفية على أنها خيار أقل مكانة، رغم أنها أصبحت اليوم من أكثر المهن المطلوبة في سوق العمل.
ويقول أحد أولياء الأمور إنه يشجع أبناءه على إكمال تعليمهم الجامعي، لكنه يرى في الوقت ذاته أن المهن الحرفية لم تعد كما كانت في السابق، وأصبحت توفر فرصاً حقيقية لمن يمتلك المهارة والخبرة، داعياً إلى تغيير الثقافة السائدة التي تقلل من قيمة العمل المهني.
ويرى أحد المختصين في شؤون سوق العمل أن هناك فجوة متزايدة بين احتياجات السوق وتوجهات الباحثين عن العمل، موضحاً أن عدداً من القطاعات الحرفية يعاني نقصاً في الأيدي العاملة، رغم استمرار الطلب على خدماتها، الأمر الذي يدفع بعض أصحاب الأعمال إلى البحث عن عمالة من خارج القطاع المحلي.
ويؤكد مختص في الشؤون الاجتماعية أن المشكلة لا ترتبط بمستوى الدخل بقدر ما ترتبط بالثقافة المجتمعية، لافتاً إلى أن كثيراً من الأسر ما تزال تعتبر الوظيفة التقليدية الخيار الأفضل لأبنائها، حتى لو كانت أقل دخلاً، في حين تنظر إلى العمل الحرفي باعتباره خياراً مؤقتاً أو اضطرارياً.
ويشير مختصون إلى أن تعزيز التعليم والتدريب المهني، وربطه باحتياجات سوق العمل، إلى جانب إبراز قصص النجاح لحرفيين استطاعوا تأسيس أعمالهم الخاصة، قد يسهم في تغيير الصورة النمطية وزيادة إقبال الشباب على هذا القطاع.
ويطالب مواطنون بإطلاق حملات توعوية تسلط الضوء على أهمية المهن الحرفية، ودورها في دعم الاقتصاد الوطني، مع توفير حوافز للشباب الراغبين في تعلم هذه المهن، بما يضمن رفد السوق بكفاءات قادرة على تلبية الطلب المتزايد.
ورغم ما توفره المهن الحرفية من فرص دخل مجزية وإمكانية لبناء مشاريع خاصة، إلا أن استمرار عزوف الشباب عنها يطرح تساؤلات حول مستقبل هذه المهن، وما إذا كانت النظرة الاجتماعية ستبقى عائقاً أمام سد النقص في الكفاءات، أم أن متطلبات سوق العمل ستفرض واقعاً جديداً يعيد الاعتبار للمهنة والمهارة قبل المسمى الوظيفي.