أخبار اليوم - تالا الفقيه - يعمل نحو 30 ألف كابتن توصيل في الأردن خارج مظلة الضمان الاجتماعي، وفق تقديرات متداولة في القطاع، في واقع يضع شريحة واسعة من العاملين في واحدة من أكثر المهن انتشاراً أمام أسئلة صعبة حول الحماية الاجتماعية وحقوق العمل ومستقبلهم في ظل طبيعة عمل ترتبط بالمخاطر اليومية ولا توفر، في كثير من الحالات، غطاءً اجتماعياً يوازي حجم تلك المخاطر.
الكابتن الذي يقضي ساعات طويلة على الطرقات لتوصيل الطلبات، ويواجه ازدحام السير وتقلبات الطقس واحتمالات الحوادث، يجد نفسه في نهاية المطاف أمام معادلة قاسية: يعمل يومياً، لكنه قد لا يمتلك شبكة أمان تحميه إذا تعرض لإصابة أو مرض أو عجز عن العمل، ولا يضمن بالضرورة أن سنوات العمل التي يقضيها على الدراجة أو المركبة ستتحول إلى حق تقاعدي يحميه عندما يتقدم في العمر.
وتزداد حساسية الملف مع اتساع قطاع التوصيل وتحوله إلى جزء أساسي من الحياة اليومية، سواء في توصيل الطعام أو الطرود أو المشتريات، بالتزامن مع ارتفاع أعداد العاملين في هذا المجال واعتماد آلاف الأسر على الدخل المتأتي منه.
ويرى عاملون في القطاع أن المشكلة لا تكمن في طبيعة العمل المرنة بحد ذاتها، وإنما في أن المرونة لا ينبغي أن تعني غياب الحماية. فالكابتن قد يعمل لساعات طويلة، وقد تتغير ساعات عمله ودخله من يوم إلى آخر، فيما يتحمل في كثير من الحالات تكاليف الوقود والصيانة والاتصالات والمركبة، إضافة إلى المخاطر المرتبطة بالعمل على الطرقات.
ويقول عاملون إن حادثاً واحداً يمكن أن يقلب حياة الكابتن رأساً على عقب، خصوصاً إذا كان مصدر الدخل الوحيد لأسرته، إذ إن توقفه عن العمل يعني توقف دخله، بينما قد تستمر التزاماته المالية والمعيشية دون توقف.
ولا تتوقف المخاوف عند الحوادث والإصابات، فغياب الاشتراك في الضمان يعني أيضاً أن سنوات العمل قد تمر من دون أن تتراكم لصالح العامل حقوق تقاعدية، ما يفتح الباب أمام مشكلة اجتماعية مؤجلة قد تظهر بصورة أكثر قسوة بعد سنوات، عندما يجد عامل أمضى جزءاً كبيراً من عمره في سوق العمل نفسه أمام مستقبل بلا راتب تقاعدي.
وفي المقابل، يواجه أصحاب المنصات والشركات تساؤلات حول طبيعة العلاقة القانونية مع الكباتن، وما إذا كان العامل موظفاً أم مقدماً لخدمة مستقلاً، ومن يتحمل مسؤولية توفير الحماية الاجتماعية والتأمينات المرتبطة بمخاطر العمل.
هذه المسألة أصبحت أكثر إلحاحاً مع تغير شكل سوق العمل وظهور نماذج الاقتصاد الرقمي والعمل عبر المنصات، حيث باتت العلاقة بين العامل والمنصة أكثر تعقيداً من علاقة العمل التقليدية، وأصبح من الضروري أن تواكب التشريعات هذه التحولات بما يحفظ مرونة العمل من جهة، ويضمن الحد الأدنى من الحماية الاجتماعية من جهة أخرى.
ويطالب عاملون بضرورة إيجاد صيغة واضحة تضمن شمول كباتن التوصيل بمظلة الضمان الاجتماعي، سواء من خلال آليات اشتراك تتناسب مع طبيعة عملهم ودخلهم، أو عبر تنظيم العلاقة بين المنصات والعاملين بما يحدد المسؤوليات والحقوق بصورة لا تحتمل التأويل.
فالحديث عن 30 ألف عامل خارج الضمان، إذا تأكد الرقم من الجهات المختصة، لا يعني 30 ألف شخص فقط، بل يعني عشرات الآلاف من الأسر التي قد تتأثر بصورة مباشرة بأي حادث أو مرض أو فقدان للدخل، ويعني كذلك جيلاً من العاملين قد يصل إلى سن التقاعد بعد سنوات من العمل من دون حماية اجتماعية كافية.
وبينما يستمر الطلب على خدمات التوصيل في النمو، يبقى السؤال الأهم: هل يستطيع سوق العمل أن يستمر في إنتاج فرص عمل جديدة من دون أن ينتج معها حماية اجتماعية للعاملين فيها؟
القضية لم تعد تتعلق فقط بعدد الطلبات التي تصل إلى أبواب المنازل، وإنما بمن يقودون الطريق لإيصالها، وبالحقوق التي يحصلون عليها مقابل ساعات طويلة خلف المقود.
30 ألف كابتن، إذا صحت التقديرات، ليسوا مجرد أرقام في سوق التوصيل؛ إنهم قوة عاملة تتحرك يومياً في الشوارع، وتساهم في استمرار قطاع اقتصادي كامل، لكنها في الوقت ذاته تواجه مستقبلاً اجتماعياً مفتوحاً على المجهول.