بعد ما صار التوجيهي على 3 سنوات .. على أي سنة نبارك وننقّط؟

mainThumb
بعد ما صار التوجيهي على 3 سنوات.. على أي سنة نبارك وننقّط؟

10-09-2026 08:46 AM

printIcon

أخبار اليوم ـ عواد الفالح ـ يبدو أن نظام الثانوية العامة الجديد لم يغيّر شكل الدراسة والامتحانات والقبول الجامعي فقط، وإنما وضع العائلة الأردنية أمام سؤال اجتماعي ومالي لم يكن موجودًا في قاموس التوجيهي سابقًا: متى بالضبط يصبح ابننا «ناجح توجيهي» حتى نبارك له وننقّطه؟

في الذاكرة الأردنية كانت الحكاية أبسط بكثير. سنة توجيهي واحدة، امتحانات، نتائج، زغاريد، قهوة وحلو، ومباركون يدخلون البيت ويدهم في جيوبهم، ثم يسمع الطالب العبارة التي يعرفها الجميع: «مبروك يا عمي.. ومنها للأعلى»، وتنتهي المسألة بـ«نقوط» على قدر القرابة والجيب والمحبة.

أما اليوم، وبعد أن أصبحت المرحلة الثانوية تمتد من الصف العاشر وحتى الثاني عشر، وتوزعت رحلة الطالب على سنوات ومراحل وحقول وامتحانات، فقد أصبحت «المباركة» نفسها بحاجة إلى تعليمات تنفيذية.

هل نبارك للطالب عندما ينهي الصف العاشر ويدخل المرحلة الثانوية؟ أم ننتظر الحادي عشر وما يرتبط به من امتحانات؟ أم أن النقوط يبقى محجوزًا حتى الثاني عشر؟ وإذا كانت شهادة الثانوية تُمنح بعد استكمال المرحلة المدرسية، بينما أصبح الامتحان العام مرتبطًا بالقبول الجامعي، فهل لدينا مباركة للثانوية ومباركة أخرى للامتحان العام وثالثة عند القبول في الجامعة؟

المسألة تبدو ساخرة، لكنها تحمل في داخلها تحولًا اجتماعيًا حقيقيًا. فالتوجيهي في الأردن لم يكن يومًا امتحانًا دراسيًا فقط، وإنما مناسبة عائلية واجتماعية واقتصادية كاملة؛ تبدأ من انتظار النتائج ولا تنتهي عند صواني الكنافة، وبينهما الاتصالات والزيارات والهدايا والنقوط.

وفي النظام القديم كان المجتمع يعرف موعده جيدًا. تظهر النتيجة، ينجح الطالب، تبدأ التهاني. أما مع النظام الجديد فقد يحتاج الأردني قبل أن يضع «العشرين» أو «الخمسين» في يد الطالب إلى أن يسأل والده: «هذا نجاح نهائي ولا لسه علينا سنة ثانية؟».

وقد نجد أنفسنا قريبًا أمام نظام جديد للنقوط يواكب نظام الثانوية: دفعة أولى في العاشر، ودفعة تحت الحساب في الحادي عشر، وتسوية نهائية بعد الثاني عشر، ومن أراد الاحتياط يحتفظ بجزء من المبلغ إلى حين ظهور القبول الموحد.

والمشكلة تصبح أكبر في العائلات الكبيرة. فمن لديه عشرة أو عشرون طالبًا من أبناء الأشقاء والشقيقات والأقارب والجيران، قد يحتاج إلى بند مستقل في موازنة الأسرة بعنوان «مخصصات التوجيهي متعددة السنوات»، خصوصًا إذا قرر المجتمع اعتبار كل محطة من محطات الثانوية مناسبة تستحق التهنئة والنقوط.

بعيدًا عن الطرفة، يطرح النظام الجديد قضية تستحق الانتباه، وهي أن التغيير التعليمي لا يبقى داخل المدرسة. فحين تتغير بنية الثانوية العامة، تتغير معها مفاهيم استقرت لعقود لدى المجتمع: متى يبدأ التوجيهي؟ متى ينتهي؟ ما معنى النجاح فيه؟ ومتى ينتقل الطالب فعليًا من مرحلة المدرسة إلى مرحلة المنافسة على الجامعة؟

وحتى الطالب نفسه بات يعيش رحلة أطول مع الثانوية. فبدل أن تتركز حالة القلق العائلي والاجتماعي في سنة واحدة، أصبحت المرحلة تمتد لثلاث سنوات، لكل منها حساباتها وقراراتها وأثرها في الطريق الذي سيكمله الطالب.

وهنا تظهر مفارقة أخرى. نحن نريد من النظام الجديد أن يخفف رهبة «السنة المصيرية الواحدة»، لكننا في المقابل قد ننقل حالة التوجيهي إلى البيت ثلاث سنوات كاملة؛ أم تسأل، وأب يتابع، وأقارب يستفسرون عن المعدلات، وطالب يسمع منذ الصف العاشر العبارة الأردنية الشهيرة: «شد حيلك.. إنت توجيهي».

أما أصحاب محال الحلويات، فعليهم الانتظار قليلًا قبل القلق؛ فالأردنيون قادرون على إيجاد مناسبة للكنافة في كل نظام تعليمي، وقد تتحول المناسبة الواحدة إلى أكثر من مناسبة إذا استقر العرف الاجتماعي على الاحتفال بكل محطة.

ويبقى «النقوط» القضية الأكثر حساسية. وحتى تصدر وزارة التربية والتعليم تعليمات تحدد لنا – على سبيل المزاح طبعًا – السنة المعتمدة رسميًا للنقوط، ربما يكون الحل الأكثر أمانًا للأقارب هو الاحتفاظ بالمبلغ حتى نهاية الثاني عشر.

فالتعليم أصبح ثلاث سنوات.. أما الجيبة الأردنية فمن الصعب إقناعها بأن التوجيهي يستحق ثلاث «تنقيطات».