من خلف الشاشة إلى باب المنزل .. خدمات بلا ضمانات تضع المستهلك أمام المجهول

mainThumb
من خلف الشاشة إلى باب المنزل.. خدمات بلا ضمانات تضع المستهلك أمام المجهول

12-09-2026 03:10 PM

printIcon

أخبار اليوم - راما منصور

لم يعد البحث عن عامل صيانة أو فني كهرباء أو سباك أو عامل تنظيف يحتاج إلى سؤال الجيران أو البحث في الإعلانات التقليدية، إذ أصبحت صفحات التواصل الاجتماعي والمنصات الإلكترونية سوقاً مفتوحاً للخدمات المنزلية، يكفي فيها إعلان قصير ورقم هاتف وبعض الصور والتقييمات حتى يبدأ التواصل وتحديد موعد الزيارة.

هذه السهولة اختصرت الوقت والجهد على المواطنين، لكنها في المقابل نقلت جزءاً من مسؤولية اختيار مقدم الخدمة إلى المستهلك نفسه، الذي قد يجد نفسه أمام شخص لا يعرف مستوى تأهيله، ولا الجهة التي يعمل معها، ولا الضمان الذي يمكن الرجوع إليه في حال تسبب العمل بضرر أو لم يحقق النتيجة المتوقعة.

ويشير مواطنون إلى أن السعر وسرعة الاستجابة غالباً ما يكونان العاملين الأبرز عند اختيار مقدم الخدمة، خصوصاً في الحالات الطارئة، مثل أعطال الكهرباء وتسربات المياه والأجهزة المنزلية، حيث يبحث صاحب المنزل عن حل سريع قبل أن تتاح له فرصة التحقق من خبرة الشخص أو طبيعة عمله.

وفي المقابل، أصبحت بعض صفحات التواصل الاجتماعي أشبه بدليل للخدمات المنزلية، تعرض أرقاماً وصوراً لأعمال سابقة وعروضاً بأسعار مختلفة، إلا أن وجود إعلان إلكتروني لا يعني بالضرورة أن مقدم الخدمة حاصل على التأهيل أو الترخيص اللازم لممارسة النشاط، كما أن التقييمات المنشورة على الصفحات لا تشكل وحدها ضماناً لجودة الخدمة أو سلامة العمل.

المشكلة لا تتوقف عند سوء تنفيذ الخدمة، إذ قد تكون بعض الأعمال المنزلية مرتبطة مباشرة بسلامة أفراد الأسرة والممتلكات، خصوصاً في أعمال الكهرباء والغاز والتوصيلات الصحية والتركيبات التي تحتاج إلى معرفة فنية، ما يجعل اختيار شخص غير مؤهل أكثر من مجرد خسارة مالية محتملة.

وفي حالات أخرى، يجد المواطن نفسه بعد انتهاء العمل أمام مشكلة جديدة؛ عطل يعود بعد أيام، قطعة تم تركيبها بطريقة غير صحيحة، جهاز تعرض للتلف، أو مبلغ إضافي يطلبه مقدم الخدمة خلافاً لما تم الاتفاق عليه مسبقاً، وهنا تبدأ رحلة البحث عن جهة يمكن الرجوع إليها أو إثبات المسؤولية.

ويرى مختصون في حماية المستهلك أن التعامل مع الخدمات المنزلية لا ينبغي أن يقوم على السعر وحده، بل على وضوح هوية مقدم الخدمة وطبيعة النشاط، والحصول على تفاصيل واضحة قبل بدء العمل، بما في ذلك التكلفة المتوقعة وما إذا كانت تشمل المواد وقطع الغيار، إضافة إلى الاحتفاظ بالمراسلات والإيصالات وأي اتفاقات مكتوبة يمكن الرجوع إليها عند الحاجة.

كما تبرز أهمية أن يكون هناك وضوح أكبر بشأن الجهات التي تنظم هذه الخدمات وتتابع مقدميها، خصوصاً مع انتقال جزء كبير من سوق الخدمات من الإعلانات التقليدية إلى منصات التواصل الاجتماعي، التي تسمح لأي شخص تقريباً بعرض خدماته والوصول مباشرة إلى المستهلك.

ومن جانب آخر، لا يعني انتشار هذه الخدمات أن جميع العاملين عبر الإنترنت غير مؤهلين، فهناك أصحاب مهن وفنيون لديهم خبرة حقيقية ويستخدمون المنصات الرقمية للوصول إلى الزبائن وتوسيع أعمالهم. إلا أن غياب المعلومات الكافية عن مقدم الخدمة يجعل المواطن مضطراً في كثير من الأحيان إلى اتخاذ قرار مبني على الانطباع والسعر وسرعة الاستجابة.

ويؤكد مواطنون أن الحاجة إلى هذه الخدمات أصبحت أكبر مع ارتفاع كلفة إصلاح الأجهزة والمنازل، وهو ما يدفع البعض إلى البحث عن بدائل أقل كلفة، خصوصاً عندما تكون الخدمة مقدمة من شخص يعمل بشكل مستقل ومن دون محل أو شركة معروفة يمكن الرجوع إليها.

وفي ظل هذا الواقع، تبدو الحاجة أكبر إلى رفع وعي المستهلك بطريقة اختيار مقدم الخدمة، وعدم اعتبار الإعلان الإلكتروني أو عدد المتابعين أو التعليقات الإيجابية بديلاً عن التحقق من الخبرة والهوية والضمانات المتاحة.

فما يبدأ برسالة عبر تطبيق أو تعليق على منشور قد ينتهي بدخول شخص إلى منزل المواطن والتعامل مع كهرباء أو غاز أو أجهزة وممتلكات ثمينة، ولذلك فإن سهولة الوصول إلى مقدم الخدمة يجب أن ترافقها قدرة واضحة على معرفة من يقدمها، وما حدود مسؤوليته، ومن يتحمل كلفة الخطأ عندما لا تسير الأمور كما اتُّفق عليها.

ومع توسع الاقتصاد الرقمي وانتقال مزيد من الخدمات إلى منصات التواصل، لم يعد تنظيم العلاقة بين مقدم الخدمة والمستهلك مسألة مرتبطة بالإعلانات فقط، بل أصبحت جزءاً من حماية المستهلك في سوق يتغير بسرعة، بحيث لا تتحول سهولة الوصول إلى الخدمة إلى مخاطرة يتحمل المواطن وحده نتائجها.