الطراونة يكتب: المقاييس الصارمة لصياغة النصوص العقابية

mainThumb

05-08-2023 11:08 AM

printIcon

د. مهند صالح الطراونة
طالعتنا فتوى قانونية دفع بها بعض الزملاء القانونيين وبعض رجالات التشريع مفادها أن المشرع عند صياغته للنصوص التشريعية لا يتصدى للتعريفات ويترك تقديرهذه التعريفات للسلطة التقديرية للقضاء ، وأن في ذلك مصلحة للمتهم ، ومع التقدير لأصحاب هذه الفتوى إلا أنها خالفت أسس الصياغة التشريعية بالنسبة للنصوص العقابية والتي يفترض أن تبنى على الجزم واليقين والتحديد الدقيق للأفعال الآثمة محل التجريم وأخص بالذكر هنا إذا كان التعريف يتضمن فعل مجرم .

ولعل مايؤكد ذلك ما ذهب إليه القضاء الدستوري الأردني والقضاء المقارن ومن حسن الطالع أن هناك عشرات الأحكام الصادرة عن المحكمة الدستورية العليا في جمهورية مصر العربية وجميعها إستقرت أن من القواعد المبدئية التي يتطلبها الدستور في القوانين الجزائية، أن تكون درجة اليقين التي تنتظم أحكامها في أعلى مستوياتها، وأظهر في هذه القوانين منها في أية تشريعات أخرى، ذلك أن القوانين الجزائية تفرض على الحرية الشخصية أخطر القيود وأبلغها أثراً، ويتعين بالتالي - ضماناً لهذه الحرية - أن تكون الأفعال التي تؤثمها هذه القوانين محددة بصورة قاطعة بما يحول دون التباسها بغيرها، وأن تكون تلك القوانين جلية واضحة في بيان الحدود الضيقة لنواهيها، ذلك أن التجهيل بها أو انبهامها في بعض جوانبها لا يجعل المخاطبين بها على بينة من حقيقة الأفعال التي يتعين عليهم تجنبها.

كذلك فإن غموض مضمون النص العقابي مؤداه أن يُحَال بين محكمة الموضوع وبين إعمال قواعد منضبطة تُعيّن لكل جريمة أركانها وتقرر عقوبتها بما لا خفاء فيه.وهي قواعد لا ترخص فيها وتمثل إطاراً لعملها لا يجوز تجاوزه، ذلك أن الغاية التي يتوخاها الدستور هي أن يوفر لكل مواطن الفرص الكاملة لمباشرة حرياته في إطار من الضوابط التي قيدها بها، ولازم ذلك أن تكون القيود على الحرية التي تفرضها القوانين الجزائية، محددة بصورة يقينية لأنها تدعو المخاطبين بها إلى الامتثال لها لكي يدفعوا عن حقهم في الحياة وكذلك عن حرياتهم، تلك المخاطر التي تعكسها العقوبة، بحيث لا يتم تجاوز الحدود التي اعتبرها الدستور مجالاً حيوياً لمباشرة الحقوق والحريات التي كفلها، وهو ما يخل في النهاية بالضوابط الجوهرية التي تقوم عليها المحاكمة المنصفة.

وتجدر الإشارة أنه إذا كان المسلم به أيضا أن لا يجوز لأحد طلب عدم المحاكمة أو البراءة من الإتهام إستناداً إلى عدم علمه بوجود قانون يجرم الفعل الذي أتى به وهو ما يسمى " عدم جواز الإعتذار بالجهل بالقانون " الذي يفترض في كل شخص العلم بالقانون بمفهومه ونطاق تطبيقه ، إلا أن ذلك يقابله الإلتزام بمبدأ " شرعية الجرائم والعقوبات " من حيث الأصل ، ففضلاً على وجوب صدور القانون بالوسائل السليمة ممن له حق إصداره مع إعلام الكافة بالقواعد القانونية المخاطبين بها ، وان هناك متطلبات دستورية لهذه القواعد منها أن يكون القانون مكتوباً ، يمكن الرجوع إليه ، وان تكون صياغته واضحة بشكل كافي تجعل المخاطب به عند قراءة النص عالماً على وجه التحديد بحدود حرياته ، ويرى بوضوح حدود التجريم بصورة يقينية من دونها لا يشعر المخاطب بالقانون بالأمن القانوني .

وعليه لا يجوز أن يستخدم المشرع عند صياغته للنصوص العقابية الجزائية والتي تتضمن أفعال معاقب عليها مصطلحات غير مفهومة الدلالة أو غامضة تحتمل أكثر من تأويل ، ولقد كان للقضاء الدستوري الأردني والمقارن موقف صارم تجاه التشريعات الجزائية تحديداً ،لأنها ترتببط بحياة الأفراد وبحرياتهم ، و ذهبت الكثير من الأحكام الدستورية -والتي لا يتسع المقام إلى تفصيل الكثير منها -إلى أن من القواعد المبدئية التي يتطلبها الدستور في القوانين الجزائية أن " تكون على درجة اليقين فيها التي تنظم أحكامها في أعلى مستوياتها ، وذلك لأن القانون الجنائي وإن أتفق مع غيره من القوانين في سعيها لتنظيم علائق الأفراد فيما بين بعضهم البعض ،وعلى صعيد صلاتهم بمجتمعهم ، إلا أن هذا القانون يختلف عنها في إتخاذه الجزاء الجنائي أداة لحملهم على إتيان الأفعال التي يأمرهم بها أوة التخلي عن تلك الأفعال التي يدعوهم لإجتنابها،ولذا فالنصوص العقابية ، وفقا لما إستقر عليه القضاء الدستوري تحكمها " مقاييس صارمة ومعايير حادة " وأن فكرة الجزاء جنائيا كان أن تأديبياً أم مدنياً تعنى أن خطاً معيناً لا يجوز تجاوزه ويتحدد ذلك في المجال الجنائي من خلال النصوص العقابية التي يكون تحديدها للأفعال التي أدخلها المشرع في مجال التجريم جليا قاطعاً بما مؤداه أن تعريفاً قانونيا بالفعل الآثم محددا لعناصره يكون لازماً فلا يجوز القياس عليها لإلحاق غيرها بها ، بإعتبار أن الشرعية الجنائية مناطها تلك الأفعال التي أثمها المشرع من منظور إجتماعي فلا تمتد نواهيه لغيرها ولو كانت إتيانها يثير إضطراباً عاماً أو كان مضمونها فجاً عابثاً.( انظر في ذلك حكم المحكمة الدستورية العليا جمهورية مصر العربية الطعن رقم 33 لسنة 16 تاريخ الجاسة 3 فبراير 1996 ) .

بل أن القضاء الدستوري إستقر على أن النطاق الحقيقي لمبدأ شرعية الجرائم والعقوبات ،إنما يتحدد على ضوء ضمانتين تكفلان الأغراض التي يرنو إليها أولاهما : أن تصاغ النصوص العقابية بطريقة واضحة محددة لا خفاء فيها أو غموض ،فلا تكون هذه النصوص شباكاً أو شراكاً يلقيها المشرع متصيداً باتساعها أو بخفائها من يقعةن تحتها أو يخطئون مواقعها . .( انظر في ذلك حكم المحكمة الدستورية العليا بجمهورية مصر العربية الطعن رقم 84 لسنة 17 تاريخ الجاسة 15 مارس 1997 ) .

وتأسيسا على ما تقدم يقع على عاتق المشرع إحكام وضبط النصوص العقابية وضبط صياغة النصوص التي تتضمن الأفعال التي يترتب على مرتكبيها عقوبات بصوره ينحسم بها كل جدل حول حقيقتها ومفهومها ودلالتها ونطاق تطبيقها بحيث يكون النص العقابي حاداً قاطعاً في بيان دائرة التجريم أي أن تكون الأفعال المجرم إتيانها واضحة المعالم ومحددة بصورة يقينية لا إلتباس ولا شك فيها ، وبما يحول دون تعدد تأويلاتها أو القياس عليها أوتباين الآراء حول مقاصدها ،فالنص العقابي يجب أن يكون جلياً في بيان الحدود الضيقة لنواهية ،لا يسمح بتداخل معانيه أو تشابكها ،فلا يجوز أن ينزلق الشمرع إلى التعبيرات والتعريفات المرنة الفضافاضة أو الغامضة أو المتميعة أومصطلحات سياسية لا تجد لها محلا في النصوص القانونية عند صياغته النصوص العقابية بما لا يجعل المخاطبين بها على بينه من حقيقة الأفعال التي يتعين عليهم تجنبها ،وليس له أن يتركها للفقه أو للقضاء ، خلاصة القول إن الراي بأن المشرع لا يتصدى لتعريف الأفعال المجرمة وترك ذلك للفقه أو لتقدير سلطة القاضي التقديرية يعتبر مخالفة للضوابط الدستورية على النحو الوارد بيانه بعشرات الأحكام ، ومحالفة للأصول المستقرة في صياغة التشريع الجنائي التي توجب حصر فعل المجرم وألا يتصف التجريم بإتساع بحيث يكون مترامي الأطراف على نحو يتعذر معه تحديد معالمه الدقيقة ومفهومه الواضح .