أخبار اليوم - في نوفمبر، استمتعنا بأكثر تذكير مثير ممكن بسحر كأس العالم. فقد صنع التاريخ في جامايكا عندما أصبحت كوراساو أصغر دولة تتأهل على الإطلاق، بعد أن تعادلت مع ريجي بويز بنتيجة 0-0 في كينجستون.
وفي مكان آخر من منطقة الكونكاكاف، تمكنت هايتي من حجز مكانها في النهائيات للمرة الأولى منذ 50 عاماً بفوزها 2-0 على نيكاراجوا - على الرغم من أنها لم تتمكن من خوض أي مباراة على أرضها بسبب الصراع الدائر في الجزيرة الكاريبية.
أما في أوروبا، فقد حجزت إسكتلندا مقعدها في كأس العالم للمرة الأولى منذ عام 1998، بعد انتصار مثير بنتيجة 4-2 على الدنمارك، في مباراة لن تنسى شهدت هدفًا مذهلًا بضربة مقصية من سكوت ماكتوميناي، وهدفًا قاتلًا في الدقيقة 93 عبر كيران تيرني، قبل أن يُشعل كيني ماكلين المدرجات بهدف خرافي من داخل نصف الملعب في ملعب هامبدن بارك.
وفي بودابست، كانت الفوضى عنوان المشهد، حيث واصل تروي باروت تألقه اللافت، فبعد ثنائيته في الفوز المفاجئ 2-0 على البرتغال، عاد ليسجل ثلاثية تاريخية أمام المجر، ليقود جمهورية أيرلندا إلى التأهل في تصفيات الاتحاد الأوروبي لكرة القدم متفوقة على أصحاب الأرض.
ورغم هذا الزخم، ودّعت أيرلندا السباق لاحقًا بعد نصف النهائي، ومع اقتراب حسم المباريات الفاصلة الأوروبية يوم الثلاثاء، إلى جانب مواجهتين فاصلتين بين القارات، تتجه الأنظار لمعرفة هوية المنتخبات الستة الأخيرة المتأهلة إلى نهائيات الصيف، التي تستضيفها الولايات المتحدة الأمريكية والمكسيك وكندا.
لكن، وبينما تتضح ملامح المتأهلين، يبقى السؤال الأهم: هل ستكتب هذه النسخة من كأس العالم نجاحًا كبيرًا أم سيصاحبها جدل لا ينتهي؟ فمع تبقي ما يزيد قليلًا عن شهرين على انطلاق البطولة، لا تزال الضبابية تسيطر على المشهد، وسط مخاوف متزايدة من نسخة تبدو منذ الآن مثيرة للجدل بشكل غير مسبوق.
كأس العالم للجميع؟.. قيود السفر تهدد وعود إنفانتينو
أكد رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم جياني إنفانتينو العام الماضي أن "العالم بأسره مرحب به في أمريكا"، مشيرًا إلى توقع بيع ما بين 6 و7 ملايين تذكرة، مع حضور يتراوح بين 5 و10 ملايين مشجع من مختلف أنحاء العالم للاستمتاع بكأس العالم.
لكن الواقع الحالي يرسم صورة مختلفة تمامًا، حيث يبدو أن عددًا كبيرًا من الجماهير بات مستبعدًا من النسخة التي وُصفت بأنها "الأكثر شمولًا في التاريخ".
فالدخول إلى الولايات المتحدة الأمريكية، التي تستضيف 78 من أصل 104 مباريات، أصبح تحديًا حقيقيًا للكثيرين.
وترتبط هذه التعقيدات بالسياسات التي ينتهجها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، خاصة مع أجندة "أمريكا أولاً"، التي أدت إلى فرض قيود وحظر سفر على عدة دول بدعوى الحد من الهجرة غير الشرعية.
وبسبب هذه الإجراءات، بات الحصول على تأشيرات سياحية أكثر صعوبة لمشجعي دول مثل السنغال وكوت ديفوار، في حين قد يُحرم مشجعو إيران وهايتي من دخول الولايات المتحدة بشكل كامل.
ولم تتوقف العقبات عند هذا الحد، إذ زاد "برنامج فيزا بوند التجريبي" من تعقيد المشهد، حيث قد يُطلب من مواطني الجزائر وتونس والرأس الأخضر، إلى جانب السنغال وكوت ديفوار، دفع ما يصل إلى 15 ألف دولار كوديعة، فقط من أجل السفر إلى الولايات المتحدة، ما يضع علامة استفهام كبيرة حول مدى شمولية هذا المونديال المنتظر.
تذاكر مشتعلة.. صدام جماهيري مع سياسات الفيفا
لم يؤدِ نظام التذاكر المثير للجدل إلا إلى زيادة تكلفة حضور المباريات بالنسبة للمشجع العادي.
فمع تصاعد الغضب الجماهيري، حاول الاتحاد الدولي لكرة القدم امتصاص الأزمة عبر طرح عدد محدود من التذاكر بأسعار معقولة بقيمة 60 دولارًا، مخصصة لما وصفهم بـ"المشجعين المخلصين" للمنتخبات الـ48 المتأهلة.
لكن هذه الخطوة لم تُقنع منظمة مشجعي كرة القدم الأوروبية، التي اعتبرت أن التعديلات "غير كافية"، لتصعّد الموقف بتقديم شكوى رسمية من 18 صفحة إلى المفوضية الأوروبية.
وقال المدير التنفيذي للمنظمة رونان إيفين إنهم طالبوا منذ أشهر الفيفا بمراجعة سياساتها "العدوانية والاستغلالية" في بيع التذاكر، مشيرًا إلى أن تجاهل الحوار مع الأطراف المعنية دفعهم للتعاون مع منظمة "يوروكونسومرز" وتقديم الشكوى رسميًا.
وترى المنظمة أن فيفا يستخدم أرقام مبيعات غير مؤكدة لتبرير ممارسات غير عادلة، بينما يضع المشجعين أمام خيار واحد: "إما الدفع أو الحرمان".
كما حددت ستة انتهاكات رئيسية، أبرزها "الأسعار الباهظة"، حيث تجاوز سعر أرخص تذكرة لنهائي 2026 أكثر من سبعة أضعاف نظيرتها في نسخة 2022.
ولم تتوقف الاتهامات عند هذا الحد، إذ تم اتهام الفيفا بـ"الإعلانات المضللة" بشأن تذاكر الـ60 دولارًا، حيث أكدت المنظمة أن هذه الفئة بيعت فعليًا قبل طرحها للجمهور، ما يُعد مخالفة صريحة لقوانين الاتحاد الأوروبي.
كما تعرض الفيفا لانتقادات بسبب استخدام "التسعير الديناميكي"، إلى جانب محاولته التحكم في سوق إعادة البيع، عبر فرض رسوم تصل إلى 15% على كل من البائع والمشتري، في خطوة وصفتها المنظمة بأنها تحقق "ربحًا مزدوجًا" للجهة المنظمة.
وذهبت المنظمة إلى أبعد من ذلك، معتبرة أن الفيفا يحتكر بيع تذاكر كأس العالم 2026، ويستغل هذا النفوذ لفرض شروط لا يمكن قبولها في سوق تنافسية حقيقية.
وفي المقابل، لم يصدر عن الفيفا حتى الآن رد تفصيلي على الشكوى، مكتفيًا بالتأكيد على أنه "منظمة غير ربحية"، وأن جميع الإيرادات يتم إعادة استثمارها بهدف تطوير كرة القدم حول العالم.تذاكر مشتعلة.. صدام جماهيري مع سياسات الفيفا
لم يؤدِ نظام التذاكر المثير للجدل إلا إلى زيادة تكلفة حضور المباريات بالنسبة للمشجع العادي.
فمع تصاعد الغضب الجماهيري، حاول الاتحاد الدولي لكرة القدم امتصاص الأزمة عبر طرح عدد محدود من التذاكر بأسعار معقولة بقيمة 60 دولارًا، مخصصة لما وصفهم بـ"المشجعين المخلصين" للمنتخبات الـ48 المتأهلة.
لكن هذه الخطوة لم تُقنع منظمة مشجعي كرة القدم الأوروبية، التي اعتبرت أن التعديلات "غير كافية"، لتصعّد الموقف بتقديم شكوى رسمية من 18 صفحة إلى المفوضية الأوروبية.
وقال المدير التنفيذي للمنظمة رونان إيفين إنهم طالبوا منذ أشهر الفيفا بمراجعة سياساتها "العدوانية والاستغلالية" في بيع التذاكر، مشيرًا إلى أن تجاهل الحوار مع الأطراف المعنية دفعهم للتعاون مع منظمة "يوروكونسومرز" وتقديم الشكوى رسميًا.
وترى المنظمة أن فيفا يستخدم أرقام مبيعات غير مؤكدة لتبرير ممارسات غير عادلة، بينما يضع المشجعين أمام خيار واحد: "إما الدفع أو الحرمان".
كما حددت ستة انتهاكات رئيسية، أبرزها "الأسعار الباهظة"، حيث تجاوز سعر أرخص تذكرة لنهائي 2026 أكثر من سبعة أضعاف نظيرتها في نسخة 2022.
ولم تتوقف الاتهامات عند هذا الحد، إذ تم اتهام الفيفا بـ"الإعلانات المضللة" بشأن تذاكر الـ60 دولارًا، حيث أكدت المنظمة أن هذه الفئة بيعت فعليًا قبل طرحها للجمهور، ما يُعد مخالفة صريحة لقوانين الاتحاد الأوروبي.
كما تعرض الفيفا لانتقادات بسبب استخدام "التسعير الديناميكي"، إلى جانب محاولته التحكم في سوق إعادة البيع، عبر فرض رسوم تصل إلى 15% على كل من البائع والمشتري، في خطوة وصفتها المنظمة بأنها تحقق "ربحًا مزدوجًا" للجهة المنظمة.
وذهبت المنظمة إلى أبعد من ذلك، معتبرة أن الفيفا يحتكر بيع تذاكر كأس العالم 2026، ويستغل هذا النفوذ لفرض شروط لا يمكن قبولها في سوق تنافسية حقيقية.
وفي المقابل، لم يصدر عن الفيفا حتى الآن رد تفصيلي على الشكوى، مكتفيًا بالتأكيد على أنه "منظمة غير ربحية"، وأن جميع الإيرادات يتم إعادة استثمارها بهدف تطوير كرة القدم حول العالم.
الشروط
كما تتزايد المخاوف بشأن جودة العرض الكروي المنتظر، حتى بالنسبة للمشجعين القادرين على تحمل تكاليف السفر إلى الولايات المتحدة الأمريكية، والذين سينجحون في دخول الملاعب.
فقد شكّلت بطولة كأس العالم للأندية الأخيرة تجربة تمهيدية كشفت الكثير من العيوب، رغم ما شهدته من جودة فنية ومفاجآت.
أولى الأزمات تمثلت في حالة الملاعب، التي أثارت استياء عدد من النجوم والمدربين، حيث وصف جود بيلينجهام، لاعب ريال مدريد، أرضيات الملاعب بأنها "ليست جيدة على الإطلاق".
كما أبدى مدرب باريس سان جيرمان لويس إنريكي غضبه من أرضية ملعب لومن فيلد في سياتل، مؤكدًا أنها مليئة بالثقوب وأن الكرة "ترتد كالأرنب".
الطقس كان أزمة لا تقل خطورة، حيث فرضت درجات الحرارة المرتفعة فترات راحة للتبريد خلال المباريات، بينما أكد مدرب تشيلسي إنزو ماريسكا أن الحرارة كانت خانقة لدرجة تجعل التدريبات الطبيعية "مستحيلة".
واعترف إنزو فرنانديز بأنه شعر بالدوار خلال اللقاءات.
وردًا على ذلك، أعلن الاتحاد الدولي لكرة القدم اعتماد فترات توقف لمدة ثلاث دقائق لشرب السوائل في كل شوط، وهو قرار انقسمت حوله الآراء؛ إذ رحب به البعض لدواعٍ صحية، بينما اعتبره آخرون محاولة لتقسيم المباراة بما يخدم سوق الإعلانات والبث التلفزيوني.
ولم تتوقف الأزمات عند هذا الحد، إذ تسببت العواصف الرعدية في تأجيل 6 مباريات خلال البطولة، وفقًا لقواعد السلامة الأمريكية التي تفرض إيقاف اللعب عند رصد برق ضمن نطاق 10 أميال.
وشهدت مباراة تشيلسي أمام بنفيكا توقفًا طويلًا وصل إلى 113 دقيقة، ما دفع ماريسكا للتعليق غاضبًا: "هذا ليس كرة قدم، ربما هذا ليس المكان المناسب لإقامة هذه البطولة".
عنف عصابات المخدرات
تحوّل الملف الأمني إلى أحد أبرز مصادر القلق قبل البطولة، خاصة بعد موجة العنف الدامية التي شهدتها المكسيك مؤخرًا، إثر اشتباكات مسلحة بين الجيش وعناصر عصابية، عقب مقتل زعيمهم نيميسيو أوسيجيرا سيرفانتيس، المعروف بلقب "إل مينشو".
وكان سيرفانتيس من أخطر المطلوبين في البلاد، وقد أشعلت تصفيته في 22 فبراير موجة عنف عنيفة، أسفرت عن مقتل ما لا يقل عن 25 من أفراد الحرس الوطني خلال أول 24 ساعة فقط.
ومع استعداد المكسيك لاستضافة 13 مباراة في كأس العالم، من بينها 4 مباريات في جوادالاخارا، عاصمة ولاية خاليسكو، تصاعدت المخاوف بشأن قدرة الدولة على تأمين الجماهير والمنتخبات خلال الحدث العالمي.
ورغم هذه المخاوف، حاولت رئيسة البلاد كلوديا شاينباوم طمأنة الجميع، مؤكدة أن الوضع الأمني "لا يشكل أي خطر" على المشجعين، وكشفت عن خطة ضخمة لنشر نحو 100 ألف عنصر أمني، بينهم 20 ألف جندي و55 ألف شرطي، لتأمين البطولة.
ومن جانبه، بدا جياني إنفانتينو واثقًا، حيث أكد أن الأمور "تحت السيطرة"، مضيفًا في تصريحات لوكالة فرانس برس: "كل شيء على ما يرام... سيكون الأمر مذهلًا".
لكن، وبين تطمينات المسؤولين وواقع العنف على الأرض، تبقى المخاوف قائمة، في انتظار اختبار حقيقي عند صافرة البداية.
الحرب
في ديسمبر الماضي، سلّم رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم جياني إنفانتينو، نظيره دونالد ترامب "جائزة الفيفا للسلام" في نسختها الأولى، لكن المشهد تغيّر جذريًا، بعدما دخلت الولايات المتحدة الأمريكية في مواجهة عسكرية مع إيران، ما فجّر فوضى سياسية واقتصادية واسعة.
تداعيات هذا التصعيد لم تتوقف عند السياسة، بل امتدت إلى الجانب الاقتصادي، حيث أدى التوتر في مضيق هرمز إلى ارتفاع أسعار النفط، ما يهدد بزيادة تكاليف سفر الجماهير إلى كأس العالم.
وأعلن وزير الرياضة الإيراني أحمد دونيامالي أن مشاركة بلاده في المونديال أصبحت "مستحيلة تمامًا".
ومن المقرر أن تخوض إيران مبارياتها في دور المجموعات داخل الولايات المتحدة، ورغم رفض الفيفا نقلها إلى المكسيك، أكد إنفانتينو أن ترامب طمأنه بأن الإيرانيين "مرحب بهم"، رغم أن الرئيس الأمريكي لم يضمن سلامتهم، بل صرّح سابقًا بأنه "لا يهتم" بمشاركتهم.
ورغم تمسك إنفانتينو برسالة التفاؤل، مؤكدًا أن كرة القدم يجب أن توحّد العالم في هذه اللحظات، إلا أن الواقع يفرض سيناريو صادم، احتمال غياب منتخب تأهل بالفعل إلى كأس العالم بسبب الحرب.
وبين وعود الوحدة وحقائق الصراع، يظل السؤال الأكبر معلقًا: هل تنجح كرة القدم في النجاة من نيران السياسة، أم تدفع الثمن هذه المرة من قلب الملعب؟