بين التهميش والتخطيط .. لماذا لا تصل مشاريع التطوير إلى جميع المحافظات؟

mainThumb
بين التهميش والتخطيط.. لماذا لا تصل مشاريع التطوير إلى جميع المحافظات؟

15-06-2026 03:05 PM

printIcon

أخبار اليوم - تالا الفقيه - يتجدد النقاش في العديد من الدول حول أسباب تأخر وصول مشاريع التطوير والخدمات إلى بعض المناطق مقارنة بغيرها، في وقت تتسارع فيه وتيرة الاستثمار والبنية التحتية في مراكز المدن والمناطق الحيوية. وبينما يرى مواطنون أن هناك فجوة واضحة في توزيع المشاريع التنموية، يؤكد مسؤولون وخبراء أن الأولويات الاقتصادية والاعتبارات الفنية تفرض نفسها عند اختيار مواقع التنفيذ، ما يفتح باباً واسعاً للجدل حول مفهوم العدالة التنموية وحدودها.

ويقول عدد من سكان المناطق البعيدة عن مراكز النشاط الاقتصادي إنهم يشعرون بأنهم خارج حسابات التنمية منذ سنوات، مشيرين إلى أن الخدمات الأساسية والبنية التحتية وفرص العمل لا تزال أقل من تلك المتوفرة في مناطق أخرى تحظى بمشاريع متتالية. ويرى بعضهم أن غياب المشاريع الكبرى يدفع الشباب إلى الهجرة نحو المدن الرئيسية بحثاً عن فرص أفضل، الأمر الذي يؤدي إلى تراجع النشاط الاقتصادي المحلي ويزيد من التحديات الاجتماعية.

ويقول أحد المواطنين إن منطق التنمية يجب ألا يقتصر على المناطق التي تمتلك بالفعل مقومات اقتصادية قوية، بل ينبغي أن يمتد إلى المناطق الأقل حظاً من أجل خلق فرص جديدة وتحقيق التوازن بين مختلف الأقاليم. ويضيف أن استمرار الفجوة التنموية ينعكس بشكل مباشر على مستوى المعيشة وجودة الخدمات ويؤثر في شعور السكان بالإنصاف والمشاركة في عملية التنمية الوطنية.

في المقابل، يرى مواطنون آخرون أن توجيه المشاريع نحو مناطق محددة في المراحل الأولى قد يكون أمراً مبرراً إذا كانت تلك المشاريع قادرة على تحقيق عوائد اقتصادية أكبر أو جذب استثمارات إضافية. ويعتقد هؤلاء أن نجاح المشاريع في المراكز الاقتصادية يمكن أن ينعكس لاحقاً على المناطق الأخرى من خلال توفير فرص عمل وتعزيز النمو العام.

من جهتهم، يشير مراقبون إلى أن قضية توزيع المشاريع التنموية أكثر تعقيداً من مجرد تفضيل منطقة على أخرى، موضحين أن عوامل متعددة تدخل في عملية اتخاذ القرار، من بينها الكثافة السكانية، وتوافر البنية التحتية الأساسية، والجدوى الاقتصادية، وسهولة الوصول، وحجم الطلب على الخدمات. ويؤكدون أن بعض المناطق قد تحتاج في البداية إلى استثمارات تأسيسية مكلفة قبل أن تصبح مؤهلة لاستقبال مشاريع تنموية أو استثمارية أكبر.

ويذهب مختصون في التخطيط الحضري إلى أن نجاح أي مشروع لا يقاس فقط بموقعه الجغرافي، وإنما بقدرته على تحقيق أثر اقتصادي واجتماعي مستدام. ويشيرون إلى أن بعض المشاريع التي نُفذت في مناطق بعيدة لم تحقق النتائج المرجوة بسبب ضعف الدراسات أو محدودية الطلب، ما دفع الجهات المعنية إلى إعادة النظر في آليات توزيع الاستثمارات العامة.

في المقابل، يرى خبراء في التنمية المحلية أن التركيز المستمر على المناطق الأكثر نمواً قد يؤدي إلى اتساع الفجوات التنموية مع مرور الوقت. ويؤكدون أن العدالة لا تعني المساواة المطلقة في توزيع المشاريع، لكنها تقتضي منح المناطق الأقل نمواً فرصاً إضافية تمكنها من اللحاق بالمناطق المتقدمة. ويشددون على أن تجاهل الاحتياجات المتراكمة في بعض المناطق قد يخلق تحديات اقتصادية واجتماعية طويلة الأمد.

كما يلفت اقتصاديون إلى أن القطاع الخاص يلعب دوراً مهماً في تحديد خريطة الاستثمار، إذ تميل الشركات بطبيعتها إلى اختيار المواقع التي تضمن عوائد أسرع وتكاليف أقل ومخاطر محدودة. ويرون أن دور الحكومات يتمثل في توفير الحوافز والبنية التحتية التي تشجع المستثمرين على التوجه نحو المناطق الأقل جذباً للاستثمار، بما يسهم في تحقيق تنمية أكثر توازناً.

وفي خضم هذا الجدل، تتباين الآراء بشأن المعايير التي يجب اعتمادها لتحديد أولويات التنمية. فبينما يطالب البعض بإعطاء الأولوية للمناطق التي تعاني نقصاً في الخدمات وفرص العمل، يرى آخرون أن الموارد المحدودة تفرض التركيز على المشاريع ذات الجدوى الاقتصادية الأعلى لضمان تحقيق أفضل النتائج الممكنة.

ويجمع مراقبون على أن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في إطلاق مشاريع جديدة، بل في بناء رؤية تنموية شاملة تضمن توزيعاً أكثر توازناً للفرص والخدمات والاستثمارات. ويؤكدون أن إشراك المجتمعات المحلية في تحديد احتياجاتها والاستماع إلى مطالب المواطنين قد يسهم في تعزيز الثقة بين السكان والجهات المعنية، ويحد من الشعور بالتهميش الذي يعبّر عنه كثيرون في المناطق التي ما تزال تنتظر دورها على خريطة التطوير.

وبين مطالبات المواطنين بمزيد من العدالة في توزيع المشاريع، ودفاع المختصين عن اعتبارات التخطيط والجدوى الاقتصادية، تبقى قضية التنمية المتوازنة واحدة من أكثر الملفات حضوراً في النقاش العام، وسط تساؤلات مستمرة حول الكيفية التي يمكن من خلالها ضمان وصول ثمار التنمية إلى جميع المناطق دون استثناء، وتحقيق توازن يراعي احتياجات السكان ومتطلبات النمو الاقتصادي في آن واحد.