أخبار اليوم - تالا الفقيه - لم يعد مشهد المتسوق الأردني في الأسواق الشعبية ومحال البقالة كما كان قبل سنوات. فعبارات من قبيل "حطلي بدينار"، و"أعطيني بنص كيلو"، و"بدي على القد"، أصبحت تتردد يومياً بين البائعين والزبائن، في مشهد يراه كثيرون انعكاساً مباشراً للتحولات الاقتصادية التي فرضت نفسها على تفاصيل الحياة اليومية للمواطنين.
في أسواق الخضار والمواد التموينية، لم يعد السؤال الأول عن الجودة أو العلامة التجارية أو بلد المنشأ، بل عن السعر والكمية التي يمكن شراؤها بالمبلغ المتاح. ويقول أحد المواطنين إنه بات يحدد قيمة ما يشتريه قبل تحديد نوعه، موضحاً أن الأولوية أصبحت لتأمين الاحتياجات الأساسية بأقل تكلفة ممكنة. ويضيف أن عبارة "المهم يمشي الحال" أصبحت جزءاً من حديث الناس اليومي عند التسوق، بعد أن كانت خيارات الشراء أوسع وأكثر مرونة في السابق.
وتشير ربة منزل إلى أن نمط الاستهلاك داخل الأسرة تغيّر بشكل واضح خلال السنوات الأخيرة، موضحة أنها أصبحت تشتري كميات أقل من العديد من المواد الغذائية، وتبحث باستمرار عن البدائل الأرخص سعراً. وتؤكد أن الموازنة الشهرية لم تعد تسمح بشراء الاحتياجات كما كانت في السابق، ما اضطر الكثير من الأسر إلى إعادة ترتيب أولوياتها.
أما أصحاب المحال التجارية، فيرون أن التغيير لا يقتصر على حجم المشتريات فحسب، بل يمتد إلى طبيعة الطلب نفسه. ويقول أحد أصحاب البقالات إن الزبائن باتوا يطلبون السلع بالقطعة أو بأقل كمية ممكنة، حتى في المنتجات التي كانت تُشترى سابقاً بكميات أكبر. ويضيف أن بعض الزبائن يدخلون المتجر حاملين مبلغاً محدداً لا يمكن تجاوزه، الأمر الذي يفرض عليهم حساب مشترياتهم بدقة كبيرة.
ويرى مراقبون للشأن الاقتصادي أن اللغة المستخدمة في الأسواق أصبحت مؤشراً اجتماعياً واقتصادياً لا يقل أهمية عن الأرقام والإحصاءات الرسمية، إذ تعكس مستوى القوة الشرائية للمواطنين وحجم الضغوط التي تواجهها الأسر. ويشير هؤلاء إلى أن تكرار عبارات مثل "بدينار" و"على القد" و"حسب الموجود" يكشف عن توجه متزايد نحو الاستهلاك الضروري والابتعاد عن الإنفاق غير الأساسي.
في المقابل، يرفض آخرون تصوير المشهد على أنه أزمة اقتصادية فقط، معتبرين أن جزءاً من التغيير يرتبط بتبدل أنماط الاستهلاك عالمياً وازدياد الوعي بأهمية ترشيد الإنفاق. ويؤكد بعضهم أن شراء الكميات الصغيرة قد يكون خياراً عملياً لتجنب الهدر وضبط المصروفات، وليس بالضرورة دليلاً على تراجع القدرة الشرائية وحدها.
ويشير مختصون في علم الاجتماع إلى أن اللغة اليومية للمواطنين غالباً ما تكون مرآة للواقع الاقتصادي. فحين تنتقل مفردات الحديث من البحث عن الأفضل إلى البحث عن الأرخص، فإن ذلك يعكس تغيراً في الأولويات والظروف المعيشية. ويضيفون أن الأسواق تُعد من أكثر الأماكن التي يمكن من خلالها قراءة التحولات الاجتماعية والاقتصادية التي تمر بها المجتمعات.
من جهتهم، يؤكد خبراء اقتصاديون أن ارتفاع تكاليف المعيشة وتغير مستويات الدخل مقارنة بالنفقات المتزايدة دفع العديد من الأسر إلى تبني استراتيجيات جديدة في الشراء، تقوم على تقليل الكميات وتأجيل بعض المشتريات والبحث عن البدائل الأقل تكلفة. ويرون أن هذه السلوكيات أصبحت أكثر وضوحاً خلال السنوات الأخيرة مع استمرار الضغوط الاقتصادية التي تواجهها الأسر.
وبين من يعتبر الظاهرة مؤشراً على ضيق الأحوال المعيشية، ومن يراها سلوكاً استهلاكياً أكثر وعياً وترشيداً، يبقى المشهد واحداً في الأسواق الأردنية: زبائن يحسبون مشترياتهم بالدينار والقرش، وباعة اعتادوا سماع طلبات الشراء بالكميات الصغيرة، فيما تكشف لغة السوق يوماً بعد يوم الكثير مما قد لا تقوله الأرقام والإحصاءات، وتؤكد أن التغير في جيب المواطن غالباً ما يظهر أولاً في الكلمات التي يستخدمها أثناء التسوق.