التعليم الجامعي .. هل أصبحت كلفة الدراسة أكبر من قدرة الأسر؟

mainThumb

28-06-2026 03:08 PM

printIcon

أخبار اليوم - تالا الفقيه - تتجدد مع بداية كل عام جامعي تساؤلات واسعة حول قدرة الأسر الأردنية على تحمل نفقات التعليم الجامعي، في ظل ارتفاع الرسوم الجامعية وتكاليف السكن والمواصلات والكتب والاحتياجات المعيشية، الأمر الذي جعل الحصول على شهادة جامعية يمثل تحديًا اقتصاديًا متزايدًا أمام شريحة واسعة من المواطنين، وسط دعوات لإعادة النظر في سياسات التمويل الجامعي وتوسيع مظلة الدعم للطلبة.

ويقول عدد من أولياء الأمور إن تعليم الأبناء لا يزال يمثل أولوية لا يمكن التنازل عنها، إلا أن الظروف الاقتصادية الحالية جعلت هذه الأولوية ترتبط بتضحيات مالية كبيرة، مشيرين إلى أن كثيرًا من الأسر أصبحت تلجأ إلى الاقتراض أو استنزاف مدخراتها لتغطية الرسوم الجامعية، خاصة إذا كان لديها أكثر من طالب يدرس في الوقت نفسه.

ويؤكد أحد أولياء الأمور أن الرسوم الدراسية لم تعد هي العبء الوحيد، فهناك مصاريف إضافية تشمل السكن الجامعي، والمواصلات، والمواد الدراسية، والأجهزة الإلكترونية، ما يجعل الكلفة الحقيقية للدراسة أعلى بكثير مما هو معلن، مضيفًا أن بعض الأسر باتت تعيد ترتيب أولوياتها المالية بالكامل لضمان استمرار أبنائها في التعليم.

ويشارك طلبة جامعيون هذا القلق، مؤكدين أن الضغوط الاقتصادية دفعت عددًا منهم إلى العمل بدوام جزئي لتغطية جزء من نفقاتهم، فيما اضطر آخرون إلى تأجيل دراستهم أو تقليل عدد الساعات المسجلة في الفصل الواحد حتى يتمكنوا من مواصلة تعليمهم دون تحميل أسرهم أعباء إضافية.

في المقابل، يرى آخرون أن التعليم الجامعي، رغم كلفته، يبقى استثمارًا طويل الأمد في مستقبل الشباب، معتبرين أن الحصول على مؤهل جامعي يزيد من فرص العمل ويعزز فرص التطور المهني، حتى وإن تطلب ذلك تحمل أعباء مالية خلال سنوات الدراسة.

ويؤكد بعض المواطنين أن المشكلة لا تكمن في الرسوم وحدها، بل في الفجوة بين كلفة التعليم والعائد المتوقع بعد التخرج، مشيرين إلى أن كثيرًا من الخريجين يواجهون صعوبة في الحصول على وظائف تتناسب مع مؤهلاتهم، الأمر الذي يجعل الأسر تتساءل عن جدوى تحمل هذه التكاليف في ظل استمرار معدلات البطالة بين الشباب.

من جهتهم، يرى مختصون في الشأن الاقتصادي أن ارتفاع تكاليف التعليم يرتبط بجملة من العوامل، من بينها ارتفاع تكاليف التشغيل في الجامعات، وزيادة الإنفاق على البنية التحتية والبرامج الأكاديمية، إلى جانب التحديات المالية التي تواجه مؤسسات التعليم العالي، ما يجعل الجامعات تعتمد بصورة كبيرة على الرسوم الدراسية كمصدر رئيس للإيرادات.

ويشير مختصون في قطاع التعليم إلى أن الجامعات تواجه معادلة صعبة تتمثل في الحفاظ على جودة التعليم وتطوير البرامج الأكاديمية والبحث العلمي، وفي الوقت نفسه مراعاة الظروف الاقتصادية للطلبة وأسرهم، مؤكدين أن أي تخفيض كبير في الرسوم يحتاج إلى إيجاد مصادر تمويل بديلة تضمن استدامة المؤسسات التعليمية.

في المقابل، يرى مراقبون أن استمرار ارتفاع كلفة الدراسة قد يوسع الفجوة في فرص التعليم بين الفئات الاجتماعية، ويجعل القدرة المالية عاملًا مؤثرًا في اختيار التخصص أو الجامعة، وهو ما قد ينعكس على مبدأ تكافؤ الفرص الذي يعد أحد ركائز العدالة التعليمية.

كما يدعو خبراء إلى توسيع برامج المنح والقروض الجامعية، وتقديم تسهيلات أكبر للطلبة من الأسر محدودة ومتوسطة الدخل، إلى جانب تشجيع الشراكات بين القطاعين العام والخاص لتمويل البرامج التعليمية، بما يخفف الأعباء المالية ويحافظ في الوقت نفسه على جودة التعليم.

ويرى آخرون أن جزءًا من الحل يكمن في إعادة توجيه الطلبة نحو التخصصات التي يحتاجها سوق العمل، وتعزيز التعليم التقني والمهني إلى جانب التعليم الأكاديمي، بما يرفع فرص التشغيل بعد التخرج ويزيد من العائد الاقتصادي للاستثمار في التعليم.

وفي المقابل، يحذر بعض المختصين من اختزال القضية في الرسوم الجامعية فقط، مؤكدين أن إصلاح منظومة التعليم العالي يتطلب مراجعة شاملة تشمل جودة البرامج الأكاديمية، وربط مخرجات الجامعات باحتياجات سوق العمل، وتطوير آليات التمويل بما يحقق التوازن بين استدامة الجامعات وحق الطلبة في الحصول على تعليم جامعي ميسر.

ومع استمرار الضغوط الاقتصادية وارتفاع تكاليف المعيشة، يبقى ملف التعليم الجامعي أحد أكثر القضايا حضورًا في النقاش العام، بين أسر ترى أن كلفة الدراسة أصبحت تتجاوز إمكاناتها، وجهات تؤكد أن الحفاظ على جودة التعليم يحتاج إلى موارد مالية كافية، فيما يجمع معظم المتابعين على أن الوصول إلى حلول مستدامة يتطلب سياسات توازن بين حق الطالب في التعليم، وقدرة الأسرة على تحمّل النفقات، وضمان استمرارية مؤسسات التعليم العالي في أداء رسالتها.