أخبار اليوم – قال اللواء المتقاعد الدكتور تامر المعايطة إن خطاب العرش السامي حمل رؤية لتحصين الأردن أمنيًا وسياسيًا واقتصاديًا وقانونيًا، من خلال الحزم في مواجهة الإرهاب، وحماية التماسك الوطني، وربط التنمية بأثرها في حياة المواطن، والتأكيد على سيادة القانون والمساءلة دون استثناء.
وأوضح أن خطاب العرش، وفق الأعراف الدستورية والبرلمانية المستقرة في الأردن، يتجاوز الطابع البروتوكولي والاحتفالي إلى تحديد الإطار العام لعمل السلطات خلال الدورة البرلمانية الجديدة، وترتيب الأولويات الوطنية التي يُنتظر من الحكومة ومجلس الأمة التعامل معها، بما يحمله من رسائل سياسية واقتصادية واجتماعية موجهة إلى المؤسسات والأردنيين جميعًا.
وأكد المعايطة أن تصدّر الرسالة الأمنية خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني يعكس أهمية اللحظة الوطنية التي أعقبت جريمة حمود الإرهابية، مشيرًا إلى أن وصف مرتكبيها بأنهم «ليسوا منا» وأنهم خانوا الأسرة الأردنية يحمل دلالات تتجاوز التعامل الأمني مع الجريمة إلى عزل مرتكبيها وطنيًا وأخلاقيًا.
وأضاف أن الخطاب تعامل مع الاعتداء بوصفه خيانة للعقد الوطني واعتداءً على المجتمع الأردني كله وخروجًا على قيم الدولة والوطن والدين، مؤكدًا أن هذه الرسالة تؤسس لرواية وطنية واضحة مفادها أن الإرهاب لا يمثل أي مكوّن مجتمعي أردني، وإنما هو جسم دخيل على الهوية الوطنية.
وأشار إلى أن حضور ذوي شهداء الكرك والوقوف دقيقة صمت على أرواحهم حملا، إلى جانب التكريم، معنى وطنيًا جامعًا يوحّد مشاعر الأردنيين حول تضحيات الشهداء، ويربط الأمن الوطني بأشخاص دفعوا أرواحهم ودماءهم، وبعائلات تحملت ألم الفقد.
وقال إن هذا البعد الوجداني يؤكد أن أمن الأردن ليس شعارًا سياسيًا، بل مسؤولية ارتبطت بتضحيات أردنيين دفاعًا عن الجميع، وأن مواجهة الإرهاب تستند إلى وقوف المجتمع كله في وجهه ورفض محاولاته تمزيق وحدته.
وفي حديثه عن القوات المسلحة والأجهزة الأمنية، بيّن المعايطة أن الإشادة الملكية برجال الجيش العربي والأجهزة الأمنية الذين وضعوا أرواحهم على أكفهم تذكّر بأن استقرار الأردن لا يتحقق تلقائيًا، بل تحميه جهود وتضحيات متواصلة، تستدعي التقدير والوعي بحجم المسؤوليات التي يتحملها منتسبو هذه المؤسسات.
ولفت إلى أن تأكيد جلالته أن قوة الأردن في شعبه المتماسك يمثل رسالة استراتيجية، تضع صلابة الجبهة الداخلية في مقدمة عناصر القوة الوطنية، موضحًا أن محاولات إحداث الانقسام والتفكك المجتمعي والطعن في الانتماء والولاء للدولة تشكل تهديدًا يستوجب مواجهته بالوعي والتماسك.
وفي الشأن السياسي، قال المعايطة إن عبارة «اختلافكم في الرأي قوة» تؤكد مشروعية الاختلاف والتنوع والتعددية، ضمن الالتزام بالدستور والمصلحة الوطنية واحترام مؤسسات الدولة، معتبرًا أن ذلك ينسجم مع فلسفة التحديث السياسي القائمة على التنافس وتعدد الاجتهادات، مع الحفاظ على وحدة المجتمع.
وعربيًا، رأى أن الخطاب أكد استمرارية النهج الأردني في الدفاع عن قضايا الأمة والسعي إلى توحيد الكلمة العربية، مشيرًا إلى أن حديث جلالته عن مواصلة هذا الدور كما كان والده من قبله وسيكون ابنه من بعده يعكس ثبات رسالة الدولة عبر الأجيال.
وأضاف أن هذه الرسالة تكرس، في قراءته، موقع الأردن دولة اتزان وتوافق ووسيطًا عربيًا موثوقًا، يسعى إلى جمع المواقف وتقريبها بعيدًا عن الاستقطابات.
وأكد المعايطة أن القضية الفلسطينية حضرت باعتبارها قضية تمس الأردن وأمن الإقليم، وليست ملفًا خارجيًا أو مسألة تضامن إنساني فحسب، موضحًا أن ربط الاستقرار بتلبية حقوق الشعب الفلسطيني يؤكد أن العدالة السياسية وحل القضية الفلسطينية شرطان أساسيان لأمن المنطقة.
وأشار إلى أن حديث جلالة الملك عن الانتهاكات في غزة والأطماع التوسعية الإسرائيلية، وتأكيده أن الطغيان لا يمنح الشرعية، حملا تحذيرًا واضحًا من الاعتقاد بأن القوة العسكرية تستطيع إنشاء شرعية سياسية أو تاريخية، حتى وإن فرضت واقعًا مؤقتًا.
وعلى الصعيد الاقتصادي، قال المعايطة إن الخطاب وضع أثر التنمية في حياة الناس معيارًا للحكم على نجاحها، من خلال فرص العمل ومستوى الخدمات العامة وتحسين المعيشة، مؤكدًا أن الأرقام والخطط لا تكفي ما لم تنعكس نتائجها على المواطن.
وبيّن أن هذه الرسالة توجه الاهتمام إلى أثر السياسات الاقتصادية والاجتماعية، وما تحدثه من تغيير في واقع الأسر ومستقبل أبنائها، وتضع مسؤولية على الجهات التنفيذية في تحويل البرامج إلى نتائج ملموسة.
وتوقف المعايطة عند التأكيد الملكي المتكرر على المياه، معتبرًا أن الخطاب منح الأمن المائي بُعدًا سياديًا واستراتيجيًا، خصوصًا مع رفض جلالته أن يكون ظمأ الأردنيين رهينة لأي ظرف.
وأوضح أن المياه، وفق هذه القراءة، قضية أمن قومي وضرورة لاستقرار الدولة مستقبلًا، بما يستدعي منحها أولوية أعلى في العمل التنفيذي والتشريعي والرقابي، ومتابعة المشاريع والخطط التي تحمي الموارد وتضمن استدامتها.
وفي ملف الحوكمة، أكد أن العبارات الملكية المتعلقة بالوظيفة العامة وعدم وجود حصانة لمن يسيء استخدام منصبه، وأن القانون لا يعرف اسمًا أو منصبًا أو نفوذًا، تحمل معاني سياسية وقانونية واضحة بشأن المساواة أمام القانون واستمرار مكافحة الفساد وخضوع الجميع للمساءلة.
وأضاف أن الرسالة تؤكد عدم إمكان تحقيق الإصلاح والتحديث مع استغلال المنصب العام أو وجود نفوذ يحول دون المحاسبة، وأن خدمة الناس هي الأساس الذي تُقاس به ممارسة المسؤولية.
وختم المعايطة بوصف خطاب العرش بأنه «خطاب تحصين وطني شامل»؛ تحصين أمني في مواجهة الإرهاب، وسياسي في مواجهة الانقسام المجتمعي، واقتصادي عبر استمرار التنمية، وقانوني من خلال سيادة القانون والمساءلة وعدم الإفلات منها.