أخبار اليوم - يفتح الأردنيون هواتفهم مع إشراقة كل يوم جديد في رمضان، لا ليتفقدوا مواقيت الصلاة أو أخبار الخير، بل ليصطدموا بخبر بات يتكرر بمرارة ليلية: مشاجرة جماعية، إصابات دموية، وحالة وفاة تترك وراءها ذهولاً شعبياً. لم تعد القصة لدى الشارع الأردني مجرد حوادث عابرة، بل غدت "إنذاراً اجتماعياً مبكراً" يقرع أجراس الخطر، فليس من المنطق – كما يقول مواطنون – أن يتحول الشهر الذي جاء لتهذيب النفوس وتقريب المسافات إلى ساحة للتوتر وانفلات الأعصاب، وكأن الصيام تحول عند البعض من عبادة للسكينة إلى ضغط إضافي يفجر فتيل العنف عند أول اختبار.
تساؤلات مريرة يطرحها الشارع اليوم: كيف يمكن لخلاف بسيط أن يتغول ليصبح اشتباكاً يسقط فيه القتلى والجرحى في أيام معدودة؟ ويرى مراقبون ومواطنون أن ما يجري هو نتاج احتقان يومي متراكم وتراجع مقلق في القدرة على ضبط الغضب، حيث تتحول ثقافة "الفزعة" في لحظات الطيش من محاولة لفض النزاع إلى وقود يصب على النار، فتتسع الدائرة بدلاً من أن تنحصر في مكانها. إنها مشكلة أعمق من مجرد "لحظة غضب"؛ إنها سلوكيات تراكمت خارج رمضان، لتنفجر بأقسى صورها عندما اجتمع الضغط النفسي مع تراجع منسوب الصبر، لتكشف عن خلل في إدارة الانفعالات يسبق الجوع والعطش.
وفي هذا المشهد، تبدو الصدمة مزدوجة؛ صدمة الدم المسفوك، وصدمة التناقض الصارخ مع جوهر الشهر الفضيل الذي يُفترض أن يكون مدرسة للصيام عن الأذى قبل الطعام، وتربية للنفس على التسامح لا الانتقام. فالخبر الذي يمر في شريط الأنباء كـ"رقم"، يترك خلفه في الواقع بيوتاً مهدومة، وأطفالاً يستيقظون على يتم مفاجئ، وأهالي يدخلون دوامة الصدمة التي لا تنتهي، وفي المقابل، عائلات أخرى تجد أبناءها خلف القضبان يواجهون الندم وتفكك الحياة وضياع المستقبل.
أمام هذا الواقع، لم يعد المطلب الشعبي محصوراً في المعالجة الأمنية، بل يطالب مواطنون بمواجهة شاملة تبدأ بتشديد العقوبات على المحرضين والمعتدين، وتفعيل وقاية مجتمعية تطفئ شرارة الخلاف قبل انفجارها، مع إعادة الاعتبار لمفهوم "الصلح الحقيقي" الذي يحقن الدماء فعلاً. ومع الدعوات لتكثيف التوعية في المساجد والمدارس والبيوت حول فقه إدارة الغضب، يبقى السؤال الذي يؤرق الجميع: إذا كان رمضان فرصة لإصلاح النفس، فما الذي يجعل البعض يخرج منه بأذى أكبر ودم أكثر؟ وهل سنكتفي بانتظار الخبر القادم، أم آن الأوان لإعادة ترتيب علاقتنا بالقيم التي جاء الشهر ليوقظها فينا قبل أن تبتلعنا دوامة العنف؟